طريقة العرض :
كامل
الصورة الرئيسية فقط
بدون صور

اظهار التعليقات


" مُعلمٌ مُسنٌ يرثيكم "


ويحكم يا سادة ، الفلاّح الذكي يُقلم شجيراتهِ حتى لاتُصاب بمرض الطبيعة وجنونها ، فتكن بذرته ناضجة ممتازة وصالحة للأكل ، تماماً كما كان يفعل مُعلمي ' الزمن القديم ' ، الذين كان المُعلم فيهم يتعاطى مع الحياة على أنها سجلٌ تاريخيٌّ قَيمٌ لخلودهِ بين الأجيال ، وأنها مشروعٌ خطير يبذل بهِ أقسى محاولات التنفس الرئوي حتى يُفهم طُلابهِ اُسس الحساب بالرياضيات وقواعد الوطنية في درس التاريخ وشيم العروبة في منهاج اللغة العربية وعبقرية نيوتن في مادة الفيزياء.

كان الطبشور الأبيض يترك أثارهُ على يديهِ بصمة كفاح وكان تحسس الجيوب الأنفيه يرافقهُ طوال السنةِ الدراسية وكل ذلك دون مملٍ أو تشدق أو حتى تذمر وهروبْ.

أذكر أن إحدى المُعلمات كانت تأتِ عبر حافلة النقل العام من قريتها التي تبعد ساعة ونصف عن القرية التي تُدرس بها ، تستيقض من بواكير الصباح ، تَعد من قهوتها عطراً لنهارٍ تربويٍ حافل بالعطاء رغم ثلوج موسم الشتاء وأمطاره الغزيرة ورغم حرارة شمس الصيف الشديدة ؛ ثم تعود مُحملةٍ بأمانةٍ ثقيلة من المبادىء وصور بذاكرتها لِطالباتها اللواتي أحبنّ المادة وربما الحياة أيضاً جرّاء كفاحها ووفاءها لمهنة التعليم وقدسيتها .

اليوم ، نشهد فجوة حارقة ما بين المُعلم والطالب ، وثقة زعزعتها إنتهازية البعض في وقتٍ تداخل به
ِ ' العطاء مع الدهاء ' ويا للأسف ، بات الطالب يستجدي المعلومة من المُعلم بعدما كان المُعلم قائد الأجيال وصانع العقول ومؤسس للفكر النهضوي التربوي ، بعدما كانت المدرسة بالنسبة للطالب ' البيت الأول ' الدافىء وجامعة الذكريات في كُراستهِ الصغيرة إلى أن يَشيب المرء ويهرم .

مازلتُ أذكر صوت معلمتي صباح حروب معلمة اللغة العربية وهي تقرأ على مسامعنا دامعة :
' على هذه الأرض مايستحق الحياة '
وصوت مُعلماتي الأخريات وهنّ يعلمننا دروساً للحياة ، كيف تكون مُكافحا إذا داهمك الفقر ، ومُدرساً إذا جابهكَ الظُلم ومُعلماً باراً لأبناءك إذا ما شوه القانون دُعاة حقٍ غير مشروع من الأصل .

لقد كانت المدارس بإمكانيات ضعيفة جداً لكن العقول مِدماكها الفكري قوي ، وكان الفقرُ شديداً فالمعلم حصاداً لقمحِ البِلاد بالفجر ومربي أجيال طوال النهار ، يرفع سارية علم الأردن العظيم ويهتف في الطابور الصباحيّ أنشودة الوفاء : موطني .. موطني
الشبابُ لَن يكلَ همهُ أن يستقلَ أو يبيد أو يبيد
نَستقي من الردى ولن نكونَ لِلعدا كالعبيد كالعبيد .

جميع الحقوق محفوظة
https://www.ammonnews.net/article/369827