طريقة العرض :
كامل
الصورة الرئيسية فقط
بدون صور

اظهار التعليقات


عشرون عاماً على التخرج من كلية الطب!


لا زلت اذكر الى الان من عشرين عاما ، عاصفة الغضب التي اعتلت احد دكاترة مستشفى جامعي في الاردن اثناء دراستنا في كلية الطب، وأثناء الراوند ( المرور) الصباحي عندما انتزع الدكتور بطاقة باسمه موجودة أعلى سرير احد المرضى !

طبعاً ، من هول الصدمة، وجمنا جميعا، كنّا طلاب طب في السنة الرابعة وقد بدأنا بالتو الحياة السريرية،
لنعرف بعد دقائق سبب موجة الغضب العارمة تجاه التمريض في المستشفى ، كانت لانه ترقى مؤخرا الى أستاذ دكتور، بروفسور كامل الأركان، والمواصفات، وكان اسمه مكتوب ب د. فلان الفلاني بينما المفروض الاستاذ الدكتور ا.د. فلان الفلاني!
يا للهول! وكانت هذا احدى البدايات القاسية التي علمتنا ان الموضوع جدي وان الامر ( داخل على ثقيل)!
لم تنتهي القصة بعد، فهذا الدكتور الذي لم التقيه قط في حياتي من قبل ، راني وقد ابتسمت خلسةً من هول الموقف ، ولم أجرؤ على اكثر من ابتسامة تحمل في طياتها دهشة واستغراباً ورعباً في نفس الوقت، وما ان لاحظ هذه الابتسامة بعد هدوء عاصفته الا وان تجهم وجهه ناظرا الي ومهددا( اذا بقيت تبتسم طول الدورة بحطلك صفر! قلت خائفا: اسف حكيم!) بالطبع الاستاذ الدكتور يترقى بعد سنوات ليكون في منصب اداري مهم! في ذلك المستشفى
وتستمر عشرات القصص، في جنبات المستشفى ، من أهمها قصص كثيرة مع دكتور مشرف على مادة تؤهل الطلاب للطب السريري وكانت المحاضرة الصباحية صباحاً بالدقيقة، ومن دعت عليه أمه يأتي متأخرا خمسة دقائق، وكان على جميع طلاب الطب كتابة ملخصات لكل فصل، وكان الأطباء المقيمين التابعين لهدا الدكتور كشرطة الامر بالمعروف السعودية يقومون بالتأكد من كتابة التلخيصات، ومن لم يكتب يُطرد من القاعة ولا يأتي الا ويحضر احد أبويه! يا للهول!
ومن القصص التي حدثت طالبة مغتربة يعيش اهلها في دولة الإمارات ، ويبدو انه لم تلخص في احد الأيام فتم طردها ، وقيل لها ان لا تحضر حتى تحضر أبويها، فجاءت أمها على اقرب طائرة على عجل وخوف شديد ، خشية ان تكون ابنتها قد اقترفت أمرا عظيما! لتذهب الى مكتب الدكتور ، وتكتشف القصة لتطلق العنان صراخاً ناقمة على ما يحدث والضغط النفسي الغير مبرر!
وتمشي الأيام ، في الطب السريري، وضغط الامتحانات الرهيب والمستمر، وتستمر علاقة الطلاب بأساتذة الطب كما كانت منذ سنوات بل وتزداد اتساعاً ، فعندما ترى احد البروفسورات في ممر المستشفى لتقول له صباح الخير، لا تسمع اي همسة او حركة، لتعيدها بصوت اعلى لعله لم يسمع، ليستمر هو في مشيه ولا يلتفت يمنة ولا يسرة! كيف لا، وهو الاستاذ الدكتور ، والهيبة شيء مهم جدا بالنسبة لعملية التعليم كما يراها هو!
طبعا وتأتي الامتحانات وهذا فصل آخر من فصول الضغط النفسي، لدرجة ان بعض الأشخاص ازداد تدينهم من كثرة قراءة المعوذات والقرآن قبل الراوندات الصباحية او المحاضرات( السيمنارات) او الامتحانات، وكان عدد قليل جدا من البنات لا يكتمل مكياجهن وزينتهن الا عند الامتحانات، فلعل دكتورٌ هنا او هناك يتحسن مزاجه ان رأى وجها حسناً او صباحاً مشرقا فتقل شدة الأسئلة والرهاب النفسي !

وبعض البروفسورات كان يتلذذ يوميا بالتركيز على طالب دون غيره وعادة ما يختار الطالب الأقل بصماً وحفظا لمادة ما، وكان الأطباء المقيمون يتعلمون بشغف أساليب الارهاب والتعذيب النفسي الذي كانوا يعتقدون انه يؤدي الى صناعة أطباء جادين و (باصمين) للعلم وفي نفس الوقت خانعين لا يجادلون ولا يناقشون بل يقولون( طبعاً حكيم!) وأحيانا على العكس هذا الجو قد يخلق نوعاً من العناد على المعلومة ، والتشبث بالرأي، (وانا الصح) ، والدليل مذكور في الصفحة الفلانية من الكتاب الفلاني! وهذه من وسائل الدفاع النفسية للبقاء على الحياة!

وللاسف من شدة هذا الضغط ، طالب ذكي في دفعتنا، توفى منتحراً، قبل تخرجه بشهور، ويقال انه بسبب أمور عائلية او اجتماعية، ولكن اكاد أجزم ان الضغط النفسي العام لدراسة الطب كان له تأثير نفسي مساهم في الموضوع، رحمه الله!

وها هي عشرون عاماً تماما مضت في شهر حزيران الماضي، لنرى خريجي دفعتنا موزعين في أنحاء الارض في أحسن التخصصات وأحسن الأحوال بعد إكمال تعليمهم في أفضل جامعات العالم! يشهد لهم القاصي والداني ولا شك ان الفضل لله عزوجل ومن ثم لعشرات الأطباء الذين علمونا في كلية الطب، منهم من توفاه الله ومنهم من تقاعد ومنهم ما زال مستمرا على رأس عمله في المهنة وفي التعليم!
ولتتحول الذكريات المرَّة الى قصص يتندر بها الجميع ، ولا شك ان كثيرا من الجروح مع الزمن تندمل، وكثيرا منا لم يعد يذكر قصص دراسة الطب بالأردن، ولا ننسى فضلهم، غير أني بين الفينة والأخرى مازلت اجد احد الأطباء لم تندمل له قصة هنا او هناك، ولكني اذا نظرت لحاله، وجدته ناجحاً بكل المقاييس!

لا اعرف تماما أسباب اصطناع هذا الجو النفسي هناك، هل هو اُسلوب بريطاني قديم في التعليم يعتمد على التشددوالارهاب، ام هو انعكاس لحالة ثقافية مجتمعية معينة! ام غير ذلك !

كثير منا أتى للولايات المتحدة لإكمال تخصصه، ومن اول شهر لم نصدق كيف رأينا الفرق الفلكي في التعامل مع طلاب الطب هنا، فلم نتخيل ان نجلس على نفس الطاولة بالكافتيريا مع البروفسور ونتبادل النكات او نتكلم في أمور غير طبية وما اجمل حالة الانتشاء بعد كل شهر عندما يعزمنا الاختصاصي خارج المستشفى ويدفع هو ثمن الطعام! لكافة فريق الطب والراوند، وكان البروفسور بشكل عام لا يتقصد ولا يُحرج طالبا بعينه، ولا ينتظر معلومات دقيقة مفصلة مبصومة! وبعد شهور من الاندماج في التعليم الامريكي بدأنا نتعافى شيئاً فشيئا من النقاط السلبية التي اكتسبناها في التعامل مع الأطباء والأساتذة، في الاردن، ولتظهر اكثر فاكثر عبقرية مذهلة في بصم كل المراجع والكتب في كلية الطب، ليعترف الأمريكان رغماً عن انفهم بتميز كليات الطب في الاردن !

لا شك ان الأمور تغيرت في المستشفيات التعليمية في الاردن منذ عشرين سنة الى الان، ولا شك ان الأطباء الجدد من الجيل الجدد قد جدد الدم التعليمي ولكن في نفس الوقت أفاجئ من تعليقات طلاب طب في الاردن الان تؤكد ان الامر لم ينتهي ويبدوا ان هناك أمور ومشاكل مستحدثة مختلفة، منها زيادة عدد طلاب بصورة لوغاريثمية لزيادة دخل كليات الطب فلعل ذلك قد يدعو لتقليل الاهتمام بالطلاب او تقليل الوقت التعليمي المخصص لكل طالب ! عدا عن الاستمرار في الأسلوب التلقيني والضغط النفسي!

ها نحن او بَعضُنَا اصبح بروفسورات ايضا، بعد سنوات طويلة من تخرجنا وسنعمل المستحيل للاهتمام اكثر بطلاب الطب ، أينما كان، ولن نزيد في همومهم وسنساعدهم الى جعل هذه المرحلة مرحلة استمتاع وحب للمعرفة وحب للعطاء وخدمة الناس بدل ان تكون هماً قاسيا ومرحلة صعبة!

رحم الله من مات من أساتذتنا ، وغفر لهم، ومن مات من زملائنا ، ولنعمل سوياً على الرقي بمهنتنا وتعليمها في بلدنا الحبيب

جميع الحقوق محفوظة
https://www.ammonnews.net/article/276348