طريقة العرض :
كامل
الصورة الرئيسية فقط
بدون صور

اظهار التعليقات


أزمة نظام رواتب الجامعات


التعامل مع أزمة النظام الموحد لرواتب العاملين في الجامعات الحكومية خلال الأسابيع الأخيرة، يقدم نموذجاً غير مسبوق في حجم الإرباك والتردد وعدم وضوح الرؤية في دائرة صنع القرار. والأقسى من ذلك حينما تصبح طريق الوصول إلى الحقوق لا تُفتح إلا من خلال الاحتجاج أو التهديد باستخدامه، أو اللجوء إلى أدوات التصعيد الأخرى التي باتت معروفة لدى الناس. الذي حدث أن الإجراءات العملية لإقرار مقترح النظام الموحد لرواتب العاملين في الجامعات ومكافأة نهاية الخدمة، قد بدأت منذ ثلاث سنوات. وفي أكثر من مرة، طُلبت من الجامعات تقارير وتوصيات من مجالس الأمناء لوزارة التعليم العالي، وفي كل مرة كان الموضوع يذهب وراء النسيان بين الرئاسة وديوان التشريع والمالية. هذه المرة كان الموضوع أكثر جدية، ووصلت الأمور إلى حد يتطلب الحسم، فيما دخل الموضوع خلال الأشهر ثم الأسابيع الماضية في حالة دوران إداري وسياسي مخجل، حتى بدأت ملامح الأزمة تتشكل، بالتلويح من قبل العاملين في الجامعات، وتحديدا أعضاء الهيئات التدريسية، بالاعتصام مع بدء الفصل الدراسي الجديد. وهو التصعيد الذي بدأ بالفعل في بعض الجامعات. قصة تعديل رواتب العاملين في الجامعات تعود إلى أكثر من خمس سنوات، حينما بدأ الحديث عن نظام موحد للرواتب على خلفية أمرين: الأول، تآكل رواتب العاملين في الجامعات، وتحديداً أعضاء هيئة التدريس؛ إذ إن رواتب هذه الفئة لم تشهد زيادات حقيقية منذ نهاية التسعينيات، ما أدخلها (هذه الفئة) بالفعل إلى قوائم الفقراء الجدد. أما الأمر الآخر، فهو التفاوت في الرواتب بين الجامعات، وبالأخص بين الجامعات التي توفر زيادات مجزية نتيجة برامج 'الموازي'، وبين الجامعات التي لا يشكل 'الموازي' فيها أي قيمة مضافة حقيقية على رواتب العاملين فيها. في التاريخ الحديث، وفي عرض العالم وطوله، كان أساتذة الجامعات وأحوالهم من أهم المراكز العصبية الحساسة لقياس أحوال المجتمعات ومسارات الدول، ومؤشرا على مدى معافاتهما، حتى إن هذه الفئة التي تقضي أطول فترة من أعمار أفرادها في التأهيل والتعلم قبل أن تتحول إلى فئة منتجة تشتغل في التعليم وإنتاج المعرفة، عادة ما كانت توصف بأنها أكثر فئات المجتمع جودة في نوعية الحياة؛ فالمنتمون إليها هم سكان الأبراج العاجية كما كانوا يوصفون في بعض المجتمعات الغربية في القرن التاسع عشر، وهم اليوم لدينا من الفئات المهددة بالدخول في نفق الفقر الحقيقي، إذا ما نظرنا بجدية إلى أحوالهم ودخولهم التي لم تنلها تعديلات حقيقية منذ أكثر من عقد، خلاله تغيرت الدنيا وتبدل العالم مرات. يعاني المجتمع الأكاديمي من شعور عميق بعدم الإنصاف، وأحيانا بالغربة، وهو يضم عقولا تفكر تحت وطأة الأزمة وشروطها. وهذه الحالة يعكسها تراجع المستوى المعيشي، ووصول هذه الفئة الأكثر حساسية إلى مستوى يكاد يخرجها من الطبقة الوسطى، إلى جانب التعثر المستمر في إصلاح أحوال الجامعات، والشعور بعدم الإنصاف على صعيد تحقيق الأكاديميين للذات داخل أسوار جامعاتهم، نتيجة تدني مستوى الحاكمية والرشد داخل هذه المؤسسات، وتراجع العدالة وقيم الكفاءة لصالح التدخل الخارجي في شؤون الجامعات. هذا الواقع أدى إلى نمو اتجاهات من العزلة عند بعض الأكاديميين، وعدم ميلهم إلى التفاعل الإيجابي مع القضايا الوطنية ومع حاجات المجتمع. الأبراج العاجية العتيدة مهددة بأن تتحول إلى أبراج رثة ومنهكة، لا ينمو فيها الفقر في جيوب الناس وحسب، بل الفقر في آفاق الحياة وفي العقول؛ إذ يبدأ من هناك السفر الطويل نحو الأحادية والانغلاق والتطرف. basim.tweissi@alghad.jo الغد

جميع الحقوق محفوظة
https://www.ammonnews.net/article/144547