طريقة العرض :
كامل
الصورة الرئيسية فقط
بدون صور

اظهار التعليقات


انتحار جماعي


تغرق مصر في فوضى عارمة، وما بين أنصار النظام القديم والمحتجين من الثوار على سياسات الرئيس الجديد، تدفع مصر الثمن المر في نهاية المطاف، بلدا وشعبا. اسوأ ما في الذهنية العربية ذاك الانقسام بين الرموز والمراحل، ولا تجد أحدا يتحدث عن واقع مصر الحالي والى أين تذهب ، بل يصطف الجميع على شكل مجموعات متحاربة ! البعض يترحم على مبارك وظلمه، والبعض الآخر يصطف مع مرسي باعتباره شرعيا ويتعرض لمؤامرة كبرى، ولا أحد بين الفريقين يقدم لك «جردة حساب» عما وصلت اليه ذات مصر من انقسام داخلي وخراب اقتصادي ومستقبل مفتوح على كل الاحتمالات. القصة ذاتها نراها في النموذج السوري، وما بين من يصطف مع الرئيس بشار الأسد، وذاك الذي يصطف مع الثورة السورية، لا تجد فريقا ثالثا عاقلا ليأتي ويقدم لنا «جردة حساب» عما وصلت اليه ذات سورية، البلد والشعب، من انقسام داخلي وفوضى ودمار اقتصادي لن تقف بسببه سورية على قدميها. هكذا هي الذهنية العربية تصطف مع الرموز وتنقسم على أساسها، دون أن يأتي الصوت الذي يقول لنا ما هي كلفة الانشطار العام على ذات البلد وبنيانه المستقبلي؟!. دون ان يتنكر أحد لمظالم الشعوب، فإن الثابت ان العرب عموما يجيدون الانقلاب، لكنهم لا يجيدون إعادة الاستقرار بعد الانقلاب، والثورات العربية دخل عليها ألف طرف سياسي واقتصادي وإعلامي داخلي وخارجي، أدى الى اختطافها وتحويلها من ثورة على المظالم، الى ثورة تؤدي الى الترحم على الظالم. مع الترحم انهيارات في الداخل، كلفتها تفوق الف مرة كلفة حرب اسرائيلية او عالمية على اي بلد عربي كبير، بل إن صراع الفرقاء في مصر وسورية خدم اسرائيل في المحصلة. سبب خدمة اسرائيل، يعود حتى الآن والى ان يثبت العكس، الى ان هذه الثورات ادت الى تدمير الحاضنات العربية الكبرى التقليدية والتاريخية، فمنذ غزو العراق، باعتباره حاضنة تاريخية، كان معروفا ان بقية الحاضنات التاريخية سيأتيها الدور، وها هي مصر والشام، تلتحقان بالركب بوصفة تقوم على اساس الغزو من الداخل وتغطية كلفة الحرب على حساب تلك الشعوب والانظمة والاقتصادات، والنتيجة واحدة مهما اختلفنا بتفسيراتها. الحاضنات العربية الكبرى المحيطة بإسرائيل والقريبة منها، تم تدميرها الواحدة تلو الأخرى، وبدلا من ان ننشغل في توزيع الاتهامات تارة على جماعة مبارك وتارة على جماعة مرسي وتارة على الجماعة الثالثة في مصر، التي لا تريد مباركا ولا مرسي، فإن السؤال الأهم يتعلق بمصر البنيان والبلد والمجتمع والشعب والاقتصاد، والفاتورة الخطيرة التي تدفعها مصر يوميا من هذا الصراع، لأن فاتورة الحرب الداخلية يمولها المصريون، بدلا من حرب خارجية تمولها الدول التي تريد رأس مصر. التطابق في النموذج السوري لا يختلف كثيرا في المدخلات والنتائج، إذ أن انتصار الأسد أو هزيمته، حياته أو مقتله، عناوين تأخذك الى نتيجة واحدة في المحصلة، فسورية اليوم محطمة والشعب السوري مشرد، والكراهية والثارات النائمة بين السوريين لا تعد ولا تحصى، والنتيجة خراب سورية، وتحطيمها تحت عنوان الصراع بين الفرقاء، فيما المؤكد ذبحه ذات سورية. آن الأوان ألا نواصل الانشطار على اساس مجموعات، بعضها مع هذا وبعضها الآخر مع ذاك، اذ ان الانشطار هنا مزود اساسي لنار الخراب العامة، وحطب في موقد التدمير الاشمل، بحيث سيكتشف كل اللاعبين غدا، وأيا كانت اتجاهاتهم السياسية انهم يذبحون ذات بلادهم، ويحفرون قبورها بأيديهم، وكل واحد يظن ان الحسنات تتنزل عليه باعتباره غير آثم ومأجورا في موقفه. كل ما نخشاه ان يكون ابناء هذه المنطقة يمارسون الانتحار على ذات طريقة الحيتان التي تختنق من حال البحر المائج، فلا تجد الا الشاطئ، باعتباره شاطئ أمان، فيما هو مدفن لها. MAHER@ADDUSTOUR.COM.JO الدستور

جميع الحقوق محفوظة
https://www.ammonnews.net/article/143522