facebook
twitter
Youtube
Ammon on Apple Store
Ammon on Play Store
مواعيد الطيران
مواعيد الصلاة
rss
  • اخر التحديثات
  • الأكثر مشاهدة




رواية "الغريب" .. الإنسان بين العبثية والإيمان بالقضاء والقدر


د. هاني الضمور
25-03-2025 12:41 PM

في عالم يتساءل فيه الإنسان عن معنى الحياة، وعن دوره في هذا الوجود، تأتي رواية الغريب للكاتب الفرنسي ألبير كامو لتثير أسئلة فلسفية عميقة حول المصير، والقدر، والعدالة. ولكن من منظور ديني، تطرح هذه الرواية قضية أكثر جوهرية: ما الذي يحدث عندما ينفصل الإنسان عن الفطرة التي فطره الله عليها؟ وما مصير من يعيش بلا إيمان، وبلا يقين في حكمة الله وقضائه؟

الرواية تحكي قصة ميرسو، رجل بلا اكتراث ولا مبادئ واضحة، يتعامل مع الحياة وكأنها بلا هدف، بلا قيم، بلا غاية. عندما تموت والدته، لا يُظهر أي حزن، وعندما يرتكب جريمة قتل، لا يبدو عليه أي ندم أو إحساس بالذنب، بل يتعامل مع الحدث كما لو أنه شيء عابر لا يستحق التفكير. لا يسأل نفسه عن مغزى الحياة أو الموت، لأنه ببساطة يرفض الإيمان بأي شيء يتجاوز اللحظة التي يعيشها.

ميرسو والفراغ الروحي: هل يمكن للإنسان أن يعيش بلا إيمان؟

في الإسلام، يؤمن المؤمن بأن الإنسان خُلق لعبادة الله، وأن للحياة معنى وغاية. ولكن ميرسو يعيش في قطيعة مع هذه الحقيقة، فلا يرى في الموت سوى حدث بلا أهمية، ولا يرى في الحياة سوى سلسلة من اللحظات العشوائية. القرآن الكريم يحذر من هذا النمط من التفكير، حين يقول الله تعالى:

“وَقَالُوا مَا هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ ۚ وَمَا لَهُم بِذَٰلِكَ مِنْ عِلْمٍ ۖ إِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ” (الجاثية: 24).

ميرسو يمثل الإنسان الذي يعيش وفقًا لهذه الفكرة، حيث ينكر أن للحياة حكمة، ويرفض الاعتراف بأن هناك عدالة إلهية تتجاوز قوانين البشر. لكنه، في النهاية، يجد نفسه في مواجهة قدره، دون أن يكون لديه أي تفسير أو طمأنينة لما سيحدث له بعد الموت.

القضاء والقدر: العدل الإلهي في مقابل العبثية

تُظهر الرواية كيف يحاكم المجتمع ميرسو، لكنه لا يحاكمه فقط بسبب جريمته، بل بسبب عدم إظهاره الحزن عند وفاة والدته. وكأن الناس لم يغضبوا لأنه قتل، بل لأن مشاعره لم تتوافق مع المعايير الاجتماعية المتوقعة. ولكن، هل العدالة الحقيقية قائمة فقط على مشاعر الناس، أم أن هناك ميزانًا أعمق للحق والباطل؟

في الإسلام، العدالة الإلهية لا تقوم على الانطباعات السطحية، بل على النوايا والأفعال. قال الله تعالى:

“إِنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ ۖ وَإِن تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا” (النساء: 40).

لكن ميرسو لا يؤمن بهذه العدالة، ولا يؤمن حتى بأن للحياة معنى وراء الظواهر. ولذلك، عندما يُحكم عليه بالإعدام، لا يحاول التوبة، ولا يطلب المغفرة، بل يقبل موته بنفس العبثية التي عاش بها. وهنا، يكشف كامو عن الفرق بين الإنسان الذي يعيش بيقين، والإنسان الذي يواجه الموت بلا أي سند روحي.

لماذا يحتاج الإنسان إلى الإيمان؟

في النهاية، تبقى الغريب قصة عن إنسان فقد بوصلته الروحية، وأصبح أسيرًا لنظرته المادية للحياة. الإسلام يُعلّمنا أن الحياة ليست مجرد حوادث عشوائية بلا معنى، بل هي اختبار، وفرصة للعودة إلى الله، والبحث عن الحقيقة.

قال الله تعالى:
“وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلًا ۚ ذَٰلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا ۚ فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِ” (ص: 27).

ميرسو هو تجسيد لهذا الظن، لهذا الفراغ الذي يعيشه من ينكر الحكمة في الحياة والموت. ولكن، في عالمنا اليوم، حيث يعاني الكثير من الشعور بالضياع، والاكتئاب، والقلق الوجودي، يظل السؤال الذي تطرحه الغريب قائمًا: هل يستطيع الإنسان أن يعيش بلا إيمان؟ وهل يستطيع أن يواجه الموت بلا أمل في رحمة الله؟

في النهاية، تبقى الرواية تحذيرًا من حياة بلا معنى، بلا يقين، بلا إيمان. فكما أن الجسد يحتاج إلى الطعام، فإن الروح تحتاج إلى الإيمان، وإلا فإنها ستظل غريبة في هذا العالم، كما كان ميرسو، غريبًا حتى عن نفسه.





  • لا يوجد تعليقات

تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة عمون الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة عمون الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم : *
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق : *
بقي لك 500 حرف
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :