مليون وردة للأمهات في عيدهن
سارة طالب السهيل
21-03-2025 12:56 PM
مليون وردة للأمهات والجدات في عيد الأم الذي نحتفل به اليوم الجمعة وهو أيضا نفس يوم عيد الربيع الذي يحتفل به الجنس الآري من الكرد والفرس وغيرهم، فالاحتفاء بعيد الأم هو عيد للخصوبة والنماء، وتفتح الأزهار وتراقص الغصون طربا بانتهاء فصل الشتاء ببرودته القاسية، وبداية فصل الاعتدال في الطقس والتمتع بالدفء.
والأم هي مصدر الدفء لمشاعرنا ومصدر النماء لعقولنا، ومصدر الرحمة لقلوبنا، ومصدر الأمان لأنفسنا؛ وهي ذاكرة التاريخ والموروثات من العادات والتقاليد التي تنقلها لنا، فتحافظ بهذا الدور المحوري علي هويتنا من الاندثار أمام جحافل المتغيرات السياسية والاقتصادية والثقافية في حياتنا المعاصرة.
وقلب الأم كشاف يرى بالنور الذاتي وأحوالنا التي قد نحاول إخفاءها عنها عندما نمر بشدائد قاسية في الحياة، لكنها تعرف ما نمر به بقلبها الكاشف للحقائق المخفية عن الأعين. فالبصيرة قوية جدا لدى الأمهات خاصة الأكبر سنا، هذه البصيرة أشبه بربان السفينة الذي يعرف كيف ينقذها من الغرق عند الاصطدام بأهوال الحياة المفاجئة، وهي شاطئ الأمان الذي ترسى عليه مراسينا عندما تفجعنا الأقدار، فنجد في حضنها الأمان الذي يعيد إلينا التوازن النفسي اللازم لمواجهة الصعاب.
الأم هي التي غرست فينا حب الأدب والفنون بغنائها لنا ونحن في المهد، وفي مراحل الطفولة بأهازيج متنوعة عند النوم والاستيقاظ والاستحمام والأعياد، وهي من منحنا الثقة بالنفس وتحفيز طاقاتنا ومواهبنا في الدراسة والعلوم والفنون المختلفة أكاد أجزم أننا تلقينا العلوم، وتشربنا قيم التذوق من أمهاتنا، فهن أكاديميات تعليمية في شتى أمور الحياة، وتعطي وتبذل كل طاقاتها العقلية والنفسية والروحية والقلبية لتصنع إنساناً سوياً بلا مقابل مادي سوى أن تقرأ عيون أبنائها معاني السعادة والفرح والأمان والنجاح.
فجميعنا عرف الحدوتة قبل النوم من الأم التي طالما حكت لنا الحكايات من التراث، وأمتعتنا بالأساطير فنشطت أخيلتنا مبكرا جدا، وأيقظت عقولنا على الأدب من خلال حكايتها عن جحا وليلى والذئب وقطر الندى وغيرها من قصص التراث الشعبي التي غذت الأمهات بها وجدان الأطفال وعقولهم.
كما حافظت الأمهات على التراث الإنساني الطبي الشعبي من حيث العلاج بالأعشاب المختلفة والتعاويذ الخاصة بالرقي من شرور العوالم الأخرى غير البشرية.
إن الأم هي نبع صاف للعطاء بلا أجر أو انتظار حتى لحظة شكر على عطائها اللانهائي لذلك يأتي الاحتفال بعيد الأم ليكون فرصة ذهبية لكي نعبر عن امتنان لدورها في حياتنا وتفانيها في إسعادنا وحمايتنا ورعايتنا صغارا وكبارا.
قد يعبر عن مشاعر البر والولاء لأمهاتنا في هذا اليوم بأساليب رمزية بسيطة مثل الزيارة العائلية وتقديم الهدايا والورود، لكن الأم لا تفرح إلا بجمعنا معها في هذا اليوم، وكأنها تستعيد الماضي، وهي تطعمنا وتذاكر لنا، وتفرح قلوبنا عندما تحتفل بعيد ميلاد أحد أبنائها أو تفوقه الدراسي.
الأم تعشق لمة الأبناء واجتماعهم صفا واحدا لا تفرقهم غيرة أو حقد أو مطامع دنيوية رخيصة. لحظة السعادة الحقيقة في قلب الأمهات عندما تجد أبناءها متحابين متعاونين كلهم على قلب رجل واحد.
جزى الله الأمهات كل خير في الدنيا والآخرة، لأنهن زرعن المحبة، وهن يرضعن الصغار، وزرعن الإخلاص والأخلاق في تربية الأسرة السوية.
والغريب أننا نجد بعض الفتاوى تحرم الاحتفاء بعيد الأم زعما أنه بدعة لم يأت بها النبي محمد صلى الله عليه وسلم، ولا أدري كيف يصبح تقدير الأم وتخصيص يوم للاحتفاء بها وبرا بها من البدع؟!!!
فمنكرو الاحتفال بعيد الأم تحت هذا الزعم يتغافلون عن حديث المصطفى صلى الله عليه وسلم: من سن في الإسلام سنة حسنة فله أجرها، وأجر من عمل بها من بعده من غير أن ينقص من أجورهم شيء، ومن سن في الإسلام سنة سيئة فعليه، وزرها ووزر من عمل بها من بعده من غير أن ينقص من أوزارهم.
ولا يمكن لعاقل أو حتى جاحد أن يرى في الاحتفال بعيد الأم سنة سيئة، فهي من أحسن وأفضل السنن الحديثة التي تكرس لقيمة الأمومة في حياتنا، فهل يستكثر المنكرون لهذا السنة الحسنة، أن نخصص يوما في العام نعبر فيه عن امتنان لأمهاتنا، وبذلهن أنفسهن من أجلنا طوال حياتهن؟!!!
خاصة وأن معظمنا مشغول بعلمه وعمله ووظيفته وأبنائه، وقد لا يجد من الوقت الكافي طوال العام للتعبير عن مشاعره القلبية تجاه أمه، وهذا اليوم نتراحم جميعا عند زيارتنا لأمهاتنا ونشيع جوا من المرح والفرح في قلوبهن التي أنهكتها الأيام في رحلة الحياة الصعبة.
في هذا اليوم العظيم تتبارى الشعوب في منح الأمهات ما يستحقون من تقدير واحترام وفرحة، وإن كان الاحتفال السنوي بعيد الأم يختلف من منطقة لأخرى في العالم في التوقيتات الزمنية، إلا أن هذا الاحتفال لم يخرج للنور إلا في عشرينيات القرن الماضي، فالولايات المتحدة الأمريكية تحتفل به في ثاني أحد من شهر مايو / أيار، وذلك عندما أقر الرئيس ويلسون 2 مايو 1914 عيداً للأم.
وكذلك تحتفل العديد من الدول بعيد الأم في نفس التوقيت الأمريكي، بينما تحتفل بريطانيا بعيد الأم في الأحد الأخير من شهر مارس/آذار من كل عام، ويعرف بإحدى الأمهات. وفي النرويج فيحتفل به في 2 فبراير، وفي الأرجنتين يوم 3 أكتوبر.
ومصر هي أول دولة عربية تحتفل بعيد الأم في 21 مارس، تبعتها الكثير من الدول العربية، وكانت البداية عام 1956 عندما قامت إحدى الأمهات بزيارة الصحفي الراحل مصطفى أمين في مكتبه بصحيفة أخبار اليوم، وقصت عليه قصتها، وترملها ورعايتها لأطفالها اليتامى وتكريس حياتها لهم، دون أن تتزوج حتى تخرجوا في الجامعة، وتزوجوا واستقلوا بحياتهم، وانصرفوا عنها تماما، فكتب مصطفى أمين، وعلي أمين في عمودهما الشهير "فكرة" يقترحان تخصيص يوم للأم يكون بمثابة يوم لرد الجميل وتذكير بفضلها.
والاحتفال بعيد الأم كان له وجود في الحضارات القديمة، فالإغريق كانوا يحتفلون ب "بريا" وهي أم الآلهة. وفي عام 1600، احتفلت إنجلترا بيوم الأمومة، وكان يوافق يوم الأحد، ويتم فيه تكريم الأمهات في إنجلترا.
وكان المصري القديم يحتفي بأمه، فقد عُثر في إحدى رسائل تل العمارنة التي تركها القدماء المصريون ورقة كتبها طفل يحتفل أمه، وأعد رسالة تثبت احتفال المصريين قديما بعيد الأم.
ونحن نحاول نرد بعضا من الجميل والتقدير للأمهات، أشد على الأمهات في عصر الذكاء الاصطناعي داعية المولى جل شأنه أن يمنحهن الصبر والحكمة والبصيرة في رعاية أبنائهن، لأنهن يواجهن تحديات غير مسبوقة في تلبية احتياجات الأبناء المتسارعة واللانهائية، وسيطرة وسائل التواصل على عقول الأبناء والصعوبة التي يجدها الوالدان خاصة الأم في تكريس القيم والعادات والتقاليد الأخلاقية لدى الناشئة في زمن الفضاء المفتوح وتأثيراته السلبية على أفكارهم وسلوكياتهم الاجتماعية.
الأمهات في زمن الإنترنت يعشن بقلق، ولا يكدن يعرفون للنوم طريقا بسبب تكريس وقتهن لمراقبة الأبناء على الإنترنت والمخاوف من ضياعهم وسط هجوم الأفكار الإلحادية أو الإرهابية أو الهدامة للقيم والأخلاق والأديان.
وهي مهمة شديدة الصعوبة على الأمهات، كان الله في العون، مع ضرورة تسلح الأمهات بكل تقنيات التكنولوجيا الرقمية ومعرفة مخاطرها على الأبناء وطرق تجنب كوراثها.
تحية لكل أم في بقاع الكرة الأرضية ضحت بنفسها لتصنع رجال الغد، وتحية لأمهات العراق وسوريا وفلسطين ولبنان اللواتي ترملن وتحملن مشقة صناعة الغد في أبنائهن.
وأكبر تحية لوالدتي الغالية التي كانت وما تزال مثال الأم العظيمة بكل ما تحمل الكلمة من معاني.
كل عام وأنتم بألف خير بمناسبة عيد الأم وعيد النوروز وعيد الربيع ..