رمضان والطلاق: حقيقة أم ادعاء مبالغ فيه ؟
د. أحلام ناصر
21-03-2025 12:22 PM
ترسّخ بعض التصورات النمطية فكرة أن الضغوط الناتجة عن الصيام، والتعب، والأعباء الاقتصادية تؤدي إلى تصاعد الخلافات الزوجية، وزيادة معدلات الطلاق خلال شهر رمضان. غير أن الإحصائيات الرسمية تفند هذا الادعاء، حيث تظهر أن معدلات الطلاق في رمضان لا تشهد ارتفاعًا استثنائيًا مقارنة ببقية شهور السنة، مما يشير إلى أن الأسباب الحقيقية للطلاق تراكمية، وتمتد على مدار العام، ولا ترتبط برمضان نفسه.
وفقًا لمصادر صحفية بناء على معلومات مستمدة من إحصائيات دائرة الإفتاء العام في الأردن لعام 2024، فقد تم تسجيل 2,979 فتوى طلاق خلال شهر رمضان، منها 736 حالة طلاق واقعة، و2,243 حالة طلاق غير واقعة. وعند مقارنة هذه الأرقام بإجمالي حالات الطلاق السنوية لعام 2023، والتي بلغت 25,887 حالة طلاق بمعدل شهري يقارب 2,157 حالة، نجد أن حالات الطلاق في رمضان 2024 لم تكن أعلى من المعدل الطبيعي، بل جاءت ضمن النسب المتوقعة. بالإضافة إلى ذلك، أظهرت البيانات أن نسبة كبيرة من حالات الطلاق كانت قبل الدخول أو الزفاف، حيث بلغت حوالي 27% من إجمالي الحالات المسجلة في السنوات التسع الماضية. هذه البيانات تدحض الادعاء بأن رمضان يزيد معدلات الطلاق، وتؤكد أن الشهر الكريم لا يشهد زيادة غير طبيعية في حالات الانفصال، وإنما هناك عوامل أخرى تراكميه تلعب دورًا أساسيًا في قرارات الطلاق.
رمضان فرصة للإصلاح لا للهدم
رمضان ليس شهر الشقاق، بل هو شهر التراحم والتسامح وضبط النفس، حيث ينعكس الالتزام بالعبادات والاقتراب من الله إيجابيًا على استقرار الأسرة. وخلافًا لما يُشاع، لا يُقبل الأزواج على الطلاق خلال رمضان، بل يلجؤون إلى الاستشارات الشرعية بحثًا عن حلول تحفظ تماسك الأسرة. بل إن الشهر الفضيل يُعد فرصة لإعادة النظر في العلاقات الزوجية وتعزيزها بدلًا من إنهائها، إذ أظهرت دراسات اجتماعية، كما في قطر، انخفاض معدلات الطلاق خلاله مقارنة ببقية الأشهر، مما يدحض الادعاء بأن رمضان يزيد الطلاق، ويؤكد أنه قد يكون عاملًا مساعدًا في تقليل الخلافات الزوجية
الضغوط الأسرية ليست موسمية
الاعتقاد بأن رمضان وحده يسبب الطلاق يتجاهل حقيقة أن الضغوط الأسرية والاقتصادية والاجتماعية تمتد على مدار العام، حيث يواجه الأزواج تحديات متكررة مثل تكاليف دخول المدارس، والأعباء المالية المرتبطة بالأعياد، ونفقات السفر والمناسبات في الصيف، بالإضافة إلى متطلبات الشتاء والتدفئة، فضلًا عن الضغوط الاقتصادية المستمرة نتيجة التضخم وارتفاع الأسعار. وبالتالي، فإن أي زيادة طفيفة في معدلات الطلاق في بعض الفترات ليست حكرًا على رمضان، بل تعكس تأثير الظروف الحياتية المتغيرة، مما يجعل الادعاء بأن رمضان مسؤول عن الطلاق غير دقيق.
كيف الاعلام يصنع الوهم ويساهم في ؟
تسهم وسائل الإعلام في ترسيخ الصورة النمطية حول "طلاق رمضان" من خلال التركيز على حالات فردية وتقديمها وكأنها ظاهرة عامة، مما يخلق انطباعًا مضللًا بأن معدلات الطلاق ترتفع خلال هذا الشهر، رغم أن الإحصائيات تثبت عكس ذلك. كما تستغل بعض الجهات هذا الادعاء لإثارة الجدل الاجتماعي أو لجذب الانتباه، متجاهلة الحقائق التي تؤكد أن رمضان ليس سببًا في زيادة الطلاق، بل قد يكون فرصة لإصلاح العلاقات الزوجية وتعزيز التفاهم بين الأزواج.
في الختام، رمضان شهر التراحم وليس الطلاق
تؤكد الحقائق والإحصائيات بطلان الادعاء بأن رمضان يزيد الطلاق، إذ تساهم أجواؤه الروحانية في تعزيز قيم الصبر والتسامح، مما يساعد في تقليل حدة الخلافات الزوجية. وإن وقعت بعض حالات الطلاق خلال هذا الشهر، فهي ليست نتيجة لرمضان ذاته، بل بسبب مشكلات سابقة تراكمت على مدار العام. كما أن جزءًا كبيرًا من حالات الطلاق أو الاستشارات الشرعية خلال رمضان يكون ناتجًا عن ممارسات طلاق حدثت قبل الشهر الفضيل، حيث يلجأ الأزواج إلى دور الإفتاء والمحاكم لتوثيق الطلاق أو طلب الفتوى بدافع التقوى والخوف من الله خلال هذا الشهر المبارك.
فيما تشير الأرقام إلى أن معدلات الطلاق في رمضان لا تختلف عن باقي أشهر السنة، حيث تعود أسبابه الحقيقية إلى عوامل مثل الغضب والتسرع، والتدخلات العائلية السلبية، وغياب الوعي بالحقوق والواجبات الزوجية، بالإضافة إلى الضغوط الاقتصادية، وليس إلى شهر رمضان كما يُشاع. لذا، لا بد من تصحيح المفاهيم المغلوطة، والابتعاد عن تضخيم الظواهر الاجتماعية دون سند علمي، فجوهر رمضان قائم على التراحم والتسامح، لا التفكك والانفصال.