الاردنة: مفتاح الحد من البطالة
د. مثقال القرالة
28-02-2025 11:52 PM
البطالة في الأردن تُعتبر من التحديات الاقتصادية والاجتماعية الأكثر إلحاحاً، حيث تؤثر بشكل مباشر على مستوى المعيشة وتُضعف الاستقرار الاجتماعي في المجتمع الأردني. هذه المشكلة تتفاقم مع تزايد أعداد الخريجين من الجامعات سنوياً، بينما تظل فرص العمل في العديد من القطاعات ضئيلة أو غير متوافقة مع المهارات المطلوبة.
في الوقت نفسه، يظل الاعتماد الكبير على العمالة الوافدة أحد الأسباب الرئيسة التي تساهم في تفاقم معدلات البطالة بين الشباب الأردني. أحد أبرز أسباب هذه البطالة هو وجود "ثقافة العيب" السائدة في المجتمع، والتي تجعل العديد من الشباب يتجنبون العمل في بعض المهن الحرفية أو اليدوية، رغم توفر فرص فيها. هذه النظرة السلبية تجاه بعض المهن تؤدي إلى تفضيل البطالة على القبول بالوظائف في تلك المجالات، مما يزيد من الاعتماد على العمالة الأجنبية في القطاعات التي يمكن أن يشغلها الأردنيون أنفسهم. وعلى الرغم من وجود العديد من الفرص المتاحة في القطاع الخاص، فإن تفضيل أصحاب العمل للعمالة الوافدة، بسبب التكلفة أو الخبرات التي يقدمها العمال الأجانب، يزيد من تعميق هذه الأزمة.
كما يعاني سوق العمل من فجوة كبيرة بين مخرجات التعليم الأكاديمي واحتياجات السوق الفعلية. فآلاف الشباب يتخرجون بشهادات في تخصصات قد لا توفر لهم وظائف متوافقة مع مهاراتهم، مما يُعزز من معدلات البطالة في صفوف الشباب المتعلم. ومن جهة أخرى، فإن تدني الرواتب في بعض القطاعات الحرفية أو المهنية تجعلها غير جذابة للعديد من الأردنيين، خاصة في ظل ارتفاع تكاليف المعيشة.
لحل هذه الإشكالية، يجب تبني استراتيجية شاملة تعتمد على تغيير النظرة السلبية تجاه بعض المهن، وتعزيز ثقافة العمل في القطاعات الحرفية والمهنية. يتطلب ذلك تعاوناً وثيقاً بين الحكومة، القطاع الخاص، والمؤسسات التعليمية والإعلامية من أجل نشر الوعي حول أهمية العمل في كافة المجالات وعدم الاقتصار على الوظائف التقليدية. يمكن أيضاً إدخال التدريب المهني ضمن المناهج الدراسية في المدارس والجامعات، كي يصبح العمل المهني خياراً جذاباً للشباب منذ مراحلهم الدراسية المبكرة.
إلى جانب ذلك، لا بد من تنفيذ سياسة "الأردنة" في الوظائف، وهي سياسة تهدف إلى إحلال الأيدي العاملة الأردنية محل العمالة الوافدة في العديد من القطاعات. هذه السياسة تتطلب إعادة النظر في سياسات التوظيف في القطاعين العام والخاص، بحيث تكون الأولوية في توظيف الكفاءات الأردنية، مع وضع خطط تدريجية لتقليص الاعتماد على العمالة الأجنبية في القطاعات التي يمكن أن يشغلها الأردنيون، مثل مهنة كوافير رجالي، معلم حلويات، ميكانيك، كهربجي، وغيرهم من المهن. يمكن أيضاً تحقيق ذلك عبر تحسين برامج التدريب المهني وزيادة الفرص التدريبية للشباب، مع ضمان بيئة عمل جاذبة من حيث الأجور والحوافز. ولتعزيز فرص نجاح هذه السياسات، يمكن للحكومة اتخاذ خطوات ملموسة لتنظيم سوق العمل بشكل أفضل، مثل فرض سياسات تُلزم الشركات والمؤسسات بتوظيف الأردنيين قبل اللجوء إلى العمالة الوافدة، خاصة في المهن غير المتخصصة التي تفتقر إلى العمالة المحلية المدربة. وفي المقابل، من الممكن تقديم حوافز مالية للشركات التي تعتمد على الأيدي العاملة المحلية، مثل توفير دعم حكومي في التدريب والتأهيل.
علاوة على ذلك، يجب أن تمتد سياسة الأردنة لتشمل المناصب العليا والإدارية الأكاديمية في المؤسسات الحكومية والخاصة، حيث من غير المعقول أن تظل بعض المناصب القيادية والأكاديمية تُشغل من قبل غير الأردنيين، بينما توجد كفاءات محلية قادرة على إدارة تلك المناصب بجدارة. لهذا، فإن تعزيز مشاركة الأردنيين في كل جوانب الاقتصاد، بما في ذلك القطاع الخاص، هو خطوة أساسية نحو بناء اقتصاد قوي ومستدام.
إحلال الأيدي العاملة الأردنية بدلاً من الوافدة لا يقتصر فقط على حل مشكلة البطالة، بل يُسهم أيضاً في تعزيز الاقتصاد الوطني. ذلك لأن تحويلات العمالة الأجنبية التي تُرسل إلى الخارج تمثل استنزافاً للموارد المالية الوطنية، بينما في حال توظيف الشباب الأردني في هذه القطاعات، ستظل الأموال داخل البلاد وتُستخدم في تحفيز النمو الاقتصادي. لذلك، من الضروري أن يتم إطلاق حملات وطنية لتشجيع الشباب على دخول المهن الحرفية والمهنية، من خلال إبراز قصص نجاح لأردنيين تمكنوا من تحقيق إنجازات كبيرة في هذه المجالات. إضافة إلى ذلك، يجب تقديم قروض ميسرة للشباب الراغبين في تأسيس مشاريعهم الخاصة في هذه المجالات، مما يساهم في خلق فرص عمل جديدة ويساعد في تعزيز ثقافة ريادة الأعمال.
إن تحقيق "الأردنة" الشاملة لا يعني الانغلاق أو العداء للعمالة الوافدة، بل هو خطوة ضرورية لضمان الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي للأردن. من خلال تبني هذه السياسات، يتمكن الشباب الأردني من بناء مستقبلهم داخل وطنهم، بدلاً من البحث عن فرص خارج الحدود. هذا التعاون بين الحكومة والمجتمع سيسهم في تحسين مستوى المعيشة وتوفير بيئة عمل أفضل للأجيال القادمة، مما يساهم في بناء وطن مستقر ومزدهر.