من واشنطن: "مصلحة الأردن فوق كل اعتبار”
د. تمارا زريقات
12-02-2025 10:05 AM
في ظل منعطف حاسم تمر به المنطقة، تتفاقم الأوضاع في فلسطين، وتتزايد التحديات السياسية والأمنية التي تهدد الاستقرار الإقليمي، جاءت زيارة جلالة الملك عبدالله الثاني حفظه الله ورعاه إلى واشنطن لتعكس مجددًا الموقف الأردني الثابت في الدفاع عن المصالح الوطنية والقضايا العربية، بأسلوب دبلوماسي رفيع يجمع بين الحزم في المبادئ والمرونة في الوسائل، عزّز الملك خلال لقائه مع الإدارة الأمريكية النهج الدبلوماسي الأردني القائم على الحزم في حماية المصالح الوطنية والقومية، والاتزان في التعامل مع القوى الدولية، مما جعله مرة أخرى لاعبًا أساسيًا في صياغة السياسات الإقليمية؛ حيث كرّس جلالته خلال هذه الزيارة صورة الأردن كدولة تمتلك رؤية واضحة، وقيادة تتمتع بمهارات دبلوماسية عالية قادرة على إدارة الملفات الأكثر تعقيدًا بحكمة وحنكة سياسية، وليس من المستغرب أن يحظى هذا النهج بثقة الأردنيين، الذين يرون في قيادتهم صمام أمان يحمي استقرارهم ويدافع عن حقوقهم بثبات.
منذ اللحظة الأولى، كانت رسالة الملك واضحة لا تحتمل التأويل: مصلحة الأردن واستقراره وحماية الأردنيين فوق كل اعتبار. في رسالة مباشرة إلى جميع الأطراف، بأن الأردن لن يسمح بأن يكون جزءًا من أي ترتيبات إقليمية لا تتماشى مع مصالحه الوطنية، جاء هذا الموقف في سياق الحديث المتزايد عن محاولات فرض حلول غير عادلة للقضية الفلسطينية، بما في ذلك سيناريوهات التهجير القسري، التي واجهها الأردن بقيادته بكل حزم، مؤكدًا أن الأردن متمسك بموقفه الراسخ ضد أي محاولات لتهجير الفلسطينيين من غزة أو الضفة الغربية.
هذا الموقف لم يكن مجرد تصريح سياسي، بل هو مبدأ راسخ في السياسة الأردنية، يعكس إدراك القيادة الهاشمية لحساسية المرحلة وخطورة بعض الطروحات التي تحاول القفز على الحقائق الجيوسياسية. فمع تصاعد العدوان الإسرائيلي على غزة والضفة الغربية، برزت محاولات لطرح حلول غير عادلة، من بينها التهجير القسري للفلسطينيين، وهو ما رفضه الأردن بشكل قاطع.
المشاهد لمجريات الزيارة واللقاء والذي تمت إذاعته مباشرة على القنوات المتلفزة يعي بأن جلالته خلال زيارته ركز على محورين رئيسيين في القضية الفلسطينية: أولاهما االموقف الأردني الواضح من قضية التهجير القسري؛ حيث أكد جلالة الملك عبد الله الثاني خلال زيارته أن الموقف الأردني واضح وثابت: لا تهجير للفلسطينيين من غزة أو الضفة الغربية. هذا الرفض لم يكن موقفًا أردنيًا فقط، بل هو الموقف العربي الموحد، الذي يدرك أن أي محاولة لفرض تغييرات ديموغرافية في الأراضي الفلسطينية على حساب الفلسطينيين لن تؤدي إلا إلى مزيد من الفوضى وعدم الاستقرار، في حقيقة الأمر لقد وضع الأردن خطوطًا حمراء واضحة في هذا الملف، مؤكدًا أن أي حلول يجب أن تضمن بقاء الفلسطينيين في أرضهم، وأن أي محاولات للتهجير القسري ستشكل انتهاكًا صارخًا للقانون الدولي، وستؤدي إلى تداعيات كارثية على الاستقرار الإقليمي.
وثانيهما : أولوية إعادة إعمار غزة: حيث شدد جلالته على أن الأولوية يجب أن تكون إعادة إعمار القطاع ، والتعامل مع الوضع الإنساني الصعب هناك، هذا الموقف يعكس إدراك الأردن بأن أي حل مستقبلي يجب أن يبدأ من معالجة الأوضاع الإنسانية والاقتصادية في غزة، دون تهجير سكانها. ومصطلح التهجير يعني في مضمونه : (الإجبار القسري لفئة من السكان على مغادرة أماكن إقامتهم الأصلية، سواء بسبب النزاعات المسلحة، أو السياسات القمعية، أو التغيرات الديموغرافية المدفوعة بأهداف سياسية أو عرقية أو دينية)) ؛مع العلم بأن التهجير يعتبر جريمة بموجب القانون الدولي إذا تم بطريقة قسرية أو ممنهجة، خصوصًا عندما يكون جزءًا من عمليات تطهير عرقي أو تغيير ديموغرافي.
في خطوة تعكس الدور الريادي للمملكة في التخفيف من المعاناة الإنسانية، أطلق جلالته مبادرة لاستقبال 2000 طفل مريض من قطاع غزة لتلقي العلاج في الأردن، في خطوة تعكس التزام الأردن العميق بمسؤوليته الإنسانية والأخلاقية، إلى جانب رؤيته الدبلوماسية المتزنة التي تربط بين العمل الإنساني والاستقرار الإقليمي؛ وتأكيد لموقف الأردن الثابت في دعم الأشقاء الفلسطينيين، وتجسيد لدور المملكة كحاضنة للبعد الإنساني في أوقات الأزمات، دون انفصال عن رؤيتها الاستراتيجية المتماسكة والتي تجمع بين الدبلوماسية والسياسة الإنسانية، حيث يرفض الأردن الحلول المجتزأة، ويطرح بدائل تستند إلى مبادئ راسخة، مسخرًا أدواته لحفظ الحقوق وصون الكرامة، في نهج يوازن بين الاستقرار الإقليمي والمصلحة الوطنية.
أكدت الزيارة على الثوابت الأردنية في القضية الفلسطينية، حيث شدد جلالة الملك خلال لقائه مع الرئيس ترامب على أن حل الدولتين هو الخيار الوحيد لتحقيق سلام عادل ودائم، محذرًا من أن أي محاولات لتجاوز هذا الحل ستزيد من التعقيد والتصعيد. جاءت هذه الرسالة في سياق أوسع يعكس حرص الأردن على حماية الحقوق الفلسطينية ورفضه لأي محاولات لتصفية القضية، سواء من خلال حلول جزئية أو ترتيبات لا تضمن الحد الأدنى من الحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني. كما أكد جلالته أن السلام العادل، القائم على حل الدولتين، هو السبيل الوحيد لتحقيق الاستقرار في المنطقة، وأن هذا يتطلب دورًا قياديًا من الولايات المتحدة كشريك بناء وحيادي في معالجة الأزمات، دون انحياز لأي طرف، بما يتماشى مع مبادئ القانون الدولي والقيم الأخلاقية السامية.
في سياق تثبيت الاستقرار، شدد جلالته على ضرورة خفض التصعيد في الضفة الغربية، محذرًا من أن استمرار التوتر هناك سيؤدي إلى تداعيات خطيرة على المنطقة بأسرها. تعكس هذه النظرة الاستراتيجية إدراك الأردن العميق لتشابك الملفات الإقليمية وحرصه على منع تفاقم الأوضاع بما قد يهدد الأمن الإقليمي. كما أكد جلالته أن الأردن سيواصل العمل بشكل فاعل مع شركائه لتحقيق السلام العادل والشامل في المنطقة، في موقف يعكس التزام المملكة بدورها المحوري، ليس فقط في الدفاع عن الحقوق الفلسطينية، ولكن أيضًا في تعزيز الأمن والاستقرار الإقليميين. لم يكن الأردن يومًا مجرد طرف محايد في المعادلة، بل كان دائمًا فاعلًا أساسيًا يسعى إلى تحقيق حلول متوازنة تحترم الحقوق وترعى المصالح الاستراتيجية للجميع.
لقد أظهر جلالة الملك، حفظه الله ورعاه، براعة استثنائية في توظيف الدبلوماسية كأداة متقنة للاحتواء، موجهًا النقاش نحو خيارات أكثر حكمة وواقعية. بينما سعى الرئيس الأمريكي لفرض رؤى أحادية تغفل التعقيدات السياسية، تصدى جلالته لهذا التوجه بحنكة، مؤكدًا أن “مصلحة الأردن فوق كل اعتبار”، رافضًا أي ترتيبات إقليمية تمس الثوابت الوطنية الأردنية أو تتجاوز الحقوق الفلسطينية. لم يكن هذا الموقف مجرد رد فعل سياسي، بل تجسيدًا لاستراتيجية شاملة تعكس فهماً عميقًا لتحولات السياسة الدولية. فتجلت دبلوماسية جلالته كقوة توازن تضع مصلحة الوطن في صدارة أولوياتها؛ لقد أظهر جلالته أن السياسة فن الممكن، وأن الحنكة الحقيقية تكمن في تحقيق الأهداف بأقل الخسائر وأكبر المكاسب، ليضيف إلى تاريخ الدبلوماسية الهاشمية صفحة مشرقة جديدة تخلد قيم الحكمة والتوازن.
حفظ الله الأردن، وقيادته الحكيمة، وشعبه الأبي…
*الباحثة السياسية: الدكتورة تمارا الزريقات