قوى الشارع والنخب الأردنية وحماية القرار السياسي
بسام بدارين
29-01-2025 02:10 PM
حماية القرار السياسي الأردني المستقل ليس واجب الدولة ومؤسساتها فقط، ولكن واجب كل مواطن أردني حر وشريف في هذه المرحلة الحرجة.
يعني ذلك بعد التصفيق للموقف الرسمي المعلن في الاتجاه المعاكس لسيناريو التهجير الذي يقترحه بكل صلافة وبصيغة إهانة للشعب الأردني على أبواب سلم طائرته الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الاتجاه نحو «مبادرات شعبية».
قوى الشارع والنخب عليها التحرك نحو مواجهة واشتباك شعبي يتجاوز التصفيق لخطاب يدلي به وزير الخارجية كما يتجاوز طرح سؤال علينا نحن في الشارع الإجابة: ماهي الخطوة الإجرائية التالية؟
حماية القرار السياسي ودعمه وإسناده فرض عين وليس كفاية وواجبا شرعيا في هذه اللحظات الصعبة، والتوقف عن الإدلاء باقتراحات غير منطقية آن وقته، لأن السيناريو خطير والصلافة كانت مهينة، وعلى الشعب الأردني التحرك بطريقة منظمة ومنهجية، بعيدا عن الانفعال والعواطف لدعم القرار السياسي المعلن ضد خطة التهجير التي يقترحها رئيس انتخب للتو وبأغلبية ساحقة.
نعم تقديم الإسناد لموقف الدولة السياسي واجب أساسي على ابن المخيم قبل ابن البادية وعلى الأخ المسلم والمعارض قبل الموالي وعلى الموظف في القطاع الخاص قبل زميله في القطاع العام.
وحتى نتوقف عن ترديد القصائد والإنشائيات كل مواطن أردني يستطيع التقدم باقتراحات محددة عليه التحرك منهجيا لإنتاجها وإنجازها.
ونقولها بصراحة وبصيغة مباشرة الآن وحصرا لنشطاء المكون الأردني الفلسطيني ورموز وأبناء اللجوء: بات الوقت هو الملائم لإرجاء أو تأجيل كل الكلام والسرديات والأحاديث عن الهوية الوطنية الجامعة أو اللامعة لصالح الإعلاء من شأن الهوية الوطنية الأردنية فقط، وحصرا وعلى أساس القناعة الراسخة مرحليا بأن فلسطين لا بديل عنها إلا الجنة، وبأن الأردن هذا الوطن الغالي المدهش هو وطن الأردنيين فقط.
بصراحة: علينا أن نغلق في هذه المرحلة ملف الدعوة لمنهجية المواطنة حتى لا نتورط بشبهة التوطين الذي يقترحه الرئيس ترامب.
كل ما كان يقال في وقت الرخاء والاسترخاء يمكن تأجيله إلى مرحلة تتحقق فيها عودة الشعب الفلسطيني الى أرضه وترابه، والأردني الوطني الحر هو من لا ينافس أبناء جلدته على وظيفة أو محاصصة، أو حتى على حق تمثيل سياسي فلا صوت يعلو في هذه المرحلة فوق صوت توحيد مكونات الأردنيين، خلف تلك المقولة المجيدة التي تعتبر التهجير خطا أحمر نموت كأردنيين أو نحيا دون السماح به.
بصورة مرجحة ستبدأ وخلال الشهرين المقبلين ميكانيزمات الابتزاز الأمريكي وتحديدا المالي والاقتصادي. ثمة طرق ونصائح لا تقف عند حدود مطالبة المترفين من الأردنيين للبسطاء منهم بشد الأحزمة على البطون، فهي مشدودة بطبيعة الحال قبل إهانة ترامب العلنية.
قطاع البنوك الأردني حصرا يراكم أرباحا في معدل سنوي قريبة جدا من حجم المساعدات الأمريكية، وكبار المساهمين في القطاع المصرفي تحديدا أغلبهم غير أردنيين أو أردنيين، طالهم الثراء وربحوا الكثير بدعم الدولة خلال عقود، ويمكنهم الاستغناء ولو عن جزء من أرباحهم لمدة عام أو عامين حتى يفهم الرئيس الأمريكي ومن حوله بأن رأس المال الأردني الخاص وطني أيضا، ويستطيع المساعدة والمساهمة في تحصين القرار السياسي المستقل.
رأس المال الأردني عليه واجب بالمقابل على قدر التحدي، ويمكنه المساندة ولو جزئيا بصيغة الوقوف مع الدولة والشعب والاستغناء عن جزء من الأرباح لتعويض الفاقد الذي يهدد به ترامب خلافا لأن المطلوب ليس الانتحار المالي والسياسي بل إظهار الشرائح الغنية والفقيرة أنها خلف القيادة والمؤسسة والشعب كل حسب قدراته وبدون مغامرات أو مجازفات.
هنا حصرا سنذكر من يعترضون على هذا الطرح بما فعله أهل أحد أفقر الأحياء في العاصمة عمان وهو حي الطفايلة الشرفاء وحي الأحرار الذي استطاع جمع خمسة ملايين دولار على الأقل في 40 يوما، كما استطاع إدخال هذا المال إلى مناطق شمالي غزة للإغاثة والمساعدة، فيما زار كاتب هذه السطور هذا الحي وصافح في الأزقة وبين البيوت والبقالات البؤس المالي والاقتصادي، وبالتالي يمكن لأثرياء عمان تقليد نشطاء حي الطفايلة ولو قليلا.
المطلوب من الحكومة وفورا إذا ما أرادت من المواطنين الصبر على ارتفاع متوقع بنسبة التضخم والأسعار، الحرص بدورها على ضرب المثل المباشر في ترشيد الإنفاق حيث لا مبرر لهيئات جديدة ولا لطاقم وزاري يمكنه أن يدير دول قارة وليس البيروقراط الأردني فقط.
ترشيد النفقات ممكن وبسيط وسهل. والحكومة عليها تقديم نموذج قبل مطالبة الناس بالصبر والاحتمال، وفي الأثناء نقترح تكتيكات بينية مدروسة بعناية مع دول الإقليم وإعادة ومراجعة استراتيجيات شاملة طغت خلال السنوات الماضية بدون مبرر، والانفتاح أكثر على دول مثل تركيا والنظام الجديد في سوريا واستعادة التوازن للعلاقات الإقليمية.
لا يكفي الرهان على الصديق الأوروبي فهو جبان أو خبيث وفي أسوأ أحواله يناصر سردية العدو الإسرائيلي. لدينا ما يتوجب التحضير له جميعا.
القدس العربي