في غالب الصور، فالناس مأخوذون بالقشرة السطحية، فيهيمون بالظاهر والظاهر فقط، لا أحد يقرأ ما بين السطور، ولا أحد يريد أن يسمع ما لا يريده هو، كلنا نريد الحقيقة التي تطابق هوانا، والأدهى والأمر، أننا نمتلك عقلية تاؤيلة فذة، بإمكانها أن تزيح وتزحزح كل شيء عن موضعه الأصلي، وتفبركه ليواتي نفسيتنا!!. أحيانا قد يأخذنا الهوس إلى أوجه وأقصاه، فندبّج الأعذار لأعدائنا، ونبحث لهم عن مبررات، ونفتعل الحالات الخاصة التي تخرق قانون الحرب، ونستعين بأعمى ليقودنا بدرب عثرة، فالناس مثلاً، كثيراً ما تستعير دموع التماسيح الغزيرة، وتلصقها صفةً بغيظةً على من يتباكى حزناً كاذباً، ودمعاً ماكراً، وهو مجرم فاتك، وقاتل هاتك، يمشي في جنازة ضحيته بوقار، ويحمل بنعشها أيضاً!.
التمساح في الحقيقة العلمية، يواجه مشكلة عويصة: فبعد أن يلتهم فريسته بنهم وشره، فإنه يعاني من مشكلة التخلص من فائض الأملاح، بعد هذه الوجبة الثقيلة، فيقع في موقف حرج، فجلده سميك لا يتيح له التعرّق؛ فيلجأ مضطراً إلى استخدام غدده الدمعية!!، للتخلص من فائض الأملاح القاتلة، فيبكي ويبكي!!!؛ كي يرتاح، وكلما كانت الفريسة أكبر؛ كان البكاء أغزر، ونحن عندما نراه في هذه الحال، ونرى عينيه الضيقتين الباكيتين، نعتقد انه قد ندم على فريسته، التي صارت في طور الامتصاص عبر أمعائه، فبكى عليها!!.
وإذا كانت الإمبراطوريات تموت بالتخمة، على حد رأي نابليون بونابرت، فإن الدموع الغزيرة التي يسفحها التمساح، على عرض وجهه تكون أقرب دليلاً على تخمة هذا الفاتك، لكن الضحية التي تعتاد على هذا الدور، يتولد لها ما يشبه اللذة، أو ما يسمى المازوكية، أي التلذذ بالآلام، لتكون هذه الخاصية هي المساعد الأبرز في بقاء المجرم مجرماً والمهان مهاناً، فالقاتل الذي يعجبه أن يتلذذ بوجع الآخرين؛ سيجد ملاذه فيمن يحملون صفة المازوكية، أو الذين يفلسفون دموع التمساح على أنها الندم!!!.
كثيراً ما نرى الدموع تملأ عيون أعدائنا، فتأخذنا الشفقة، فنقدم لهم مناديل ورقية، فنحن عاطفيون لدرجة أننا لا نطيق رؤية هذا الحزن في عين قاتلنا!!!.
المصيبة الكبرى التي ستواجه ضعفنا واستمراره، أن التمساح الذي يلتهمنا، لن يحتاج إلى الطرق الالتفافية ليتخلص من فائض الأملاح عقب وليمته الشهية، ليس لأن جسده تغير، بل إن جسد ضحيته هو الذي تغير، فصار لحماً حلوا بلا ذرة ملح!!.
لو كنا مملحين كما ينبغي، لما نالنا كل هذا الفساد وكل هذا العطب!!!.
ramzi972@hotmail.com