احداث معان مؤسفة وتبعث على الحزن والقلق معا واكثر ما نخشاه ان يدخل القلق الممزوج بالخوف والشعور بعدم الامن الى نفوس الاردنيين جميعا بعد انتقال ظاهرة العنف المجتمعي من محافظة الى اخرى ومن مدينة الى مدينة ومن الجامعات الى الشوارع.
الجريمة بحد ذاتها, مثلها كمثل العنف بين الافراد, ظاهرة عامة عند جميع الشعوب وفي كل الدول وهذه مسألة لا خلاف عليها, لكن مبعث القلق في الحالة الاردنية هو في (ردود الفعل على الجريمة) او على المشاجرة الفردية, او على الخلاف بين شخصين, فاذا اقدم شخص على قتل آخر, فهذه جريمة يتحمل وزرها القاتل شخصيا ولا يشاركه في تحملها والده او اخوه او افراد اسرته او عشيرته وهذا هو مبدأ العدالة وروحها في القوانين وفي الاديان ايضا, وهكذا التعامل مع مرتكبي الجرائم والعنف في الدول المتمدنة, وحتى نصف الحضارية, لكن ما يحدث في بلدنا, ان المشاجرة تبدأ بين شخصين او بين عدة اشخاص, واذا بها تتحول فجأة الى معركة بين حمايل وعشائر وانتماءات اخرى جهوية وعصبوية. فاذا قام شخص بقتل آخر يصبح افراد عشيرة القتيل كلهم ضحايا, يطالبون بالثأر من عشيرة القاتل وكأننا في عصر ما قبل الدولة وفي غياب اي وجود للقانون او مرجعيات للعدالة اسمها القضاء والسلطة والدستور.
المشكلة في العنف المجتمعي في بلادنا اذا ليست في حدوث جرائم لا يستطيع المجتمع, اي مجتمع منعها لانها جزء من طبائع العباد, وما فيهم من خير وشر, لكنها في ردود الفعل التي "تأخذ البريء بجريرة المذنب". عندما يتحول الجار الى عدو فجأة بناء على نسبه واصله وفصله, حيث تندلع اعمال انتقامية تدمر وتحرق وتعتدي على كل ما يرمز لوحدة المجتمع والكيان من مرافق الدولة وبنيتها التحتية التي انفق عليها من المال العام لخدمة الجميع بغض النظر عن فصلهم واصلهم وعن اوقات غضبهم وفرحهم.
محاصرة ردود الفعل وحصرها في اطار مفاهيم القانون والعدالة هي مهمة الدولة ووظيفتها, اضافة الى انها مهمة الناس جميعا بما في ذلك العشائر ومنظمات المجتمع المدني. ان حصر (ردود الفعل) في اي مشاجرة او جريمة على الاطراف المتشاجرة المباشرين او على القاتل وما اقترفت يداه هي الخطوة الاولى المطلوبة, فالعشائرية مطالبة بذلك لانها ان لم تكن جزءا من بناء الدولة يحترم قوانينها وسلطتها فانها - اي العشائرية - سترتد على ذاتها وتأكل ابناءها وستكون اول من يحصد الخسائر في دماء ابنائها, وهدر امن مجتمعها الاصغر.
اعرف بأني اتحدث عن رأي ومجرد فكر اشارك فيه آخرين في اطار الاهتمام الوطني المشترك لمواجهة العنف المجتمعي بعد ان اصبح الواقع في البلاد اكثر سوءا على ساحة العنف المجتمعي, واعرف ايضا ان للعنف اسبابا ومسببات وظروفا ومناخات تحتاج من الدولة اعادة النظر في سياساتها الداخلية بما يتماشى مع التطورات الكبيرة التي حدثت في الاردن خلال السنوات الثلاثين الماضية, واذا كانت الدولة قد الغت القوانين العشائرية عام 1979 من اجل الانتقال الى بناء المجتمع الحضاري الذي يسوده القانون والعدالة, فان نظرة مراجعة اولى الى ذلك الحدث المهم قبل 30 عاما تؤكد بان الحكومات لم تلتزم بمهمة التغيير ابدا, بل لجأت الى اساليب وسياسات خلقت مناخات التشرذم, وكأنها تسعى بدون ان تدري الى تحويل الاردنيين من شعب واحد, وهوية وطنية جامعة, الى عشائر داحس والغبراء.
الاختباء خلف نظرية الحلول الطويلة الاجل للعنف المجتمعي يحول دون البدء بالممكن, والمباشرة بتنفيذ خطوات, اهمها على الاطلاق ان تعيد الدولة النظر في مسألة تهميش او اقصاء ممثلي المجتمعات المحلية المعروفين برجاحة عقولهم وآرائهم السديدة, من شيوخ عشائر ورجالات دولة متقاعدين ووجوه معروفة ممن يشكلون جسرا وسيطا بين الدولة وبين هذه المجتمعات. ويجب الاعتراف بان طبقات النخب التي توالت على المسؤولين في مختلف مستويات الدولة خلال السنوات الماضية اهملت دور القيادات والزعامات الوسيطة, مما عمق حالة العزلة واشاع حوار الطرشان بين المجتمعات المحلية وبين نخب لا تعرفها الناس ولا تثق بها.
taher.odwan@alarabalyawm.net
(العرب اليوم)