مع "غزيّة" في رشدها
د. ناجح أبو عرابي العدوان
05-06-2021 02:06 PM
سامح الله الشّاعر العربيّ الجاهليّ دريد بن الصّمّة حين قال في رثاء أخيه في القصّة المعروفة:
ومَا أَنَا إِلَّا مِنْ غَزِيَّة إِنْ غَوَتْ غَوَيْتُ وَإِنْ تَرْشُدْ غَزِيَّة أَرْشُدِ
لقد أخطأ ابن الصّمّة في إظهار صدق حبّه وانتمائه إلى عشيرته "غَزيّة" في حالتيها: الغواية والرّشد؛ إذ ذهب هذا التّعلّق الغريب بين معظم النّاس إلى يومنا هذا قاعدة كأنها ثابتة لا تقبل خروجاً عليها قاعدةً تلقّفها مريدو ابن الصّمّة رغم تباعد الزّمان واختلاف الحال، وانتقالنا من حدّ السّيف إلى سلطة قانون الدّولة، ومن حدود العشيرة الواحدة الصّغيرة إلى سعة العشيرة الكبرى: الوطن ؛ فصارت لهم في حيواتهم عنواناً عريضاً في كلّ شأن يرفع اللثام عمّا يجول في خواطرهم بل أصبحوا يعبّرون عنها في كلّ جلاء وصراحة ووضوح وكأنّهم وجدوا في مجموع عشيرتهم، غِواية أو رشداً، من يترجم عن أفكارهم، ويجمع لهم شمل المعاني المبعثرة في أنحاء أدمغتهم أو كأنّهم وجدوا بأنفسهم، واهمين، لذة الأفكار التي تشابه أفكارهم وآراء تشاكل آراءهم أو، وهذا الأقرب لسويّ العقل والفهم، لأنهم خافوا أن يُرموا بجارحة من القول وصاعقة من الغضب لأنهم ما سايروا العشيرة في الغواية؛ ليبقى الرّشد رجلاً يعرف الحق ويكتمه عجزاً وجبناً ساكتاً كلّ حياته لا ينطق بخير ولا شرّ.
إنّ العشيرة في ما خلا من الزّمان رجالاً ونساء مؤسّسة اجتماعيّة وكياناً عظيماً بناه آباؤنا وأمهاتنا في عقود متطاولة همّها جميعاً أن تحقّق كمال المروءة في أبنائها، وتردّهم إلى طريق مستقيم. إنها محامد أفعال تطوف بنا في ما خلفه أجدادنا من مجد تليد ونحن من احوج النّاس اليوم إلى تبصرة فيما فعلوا وكيف علوا وكيف رفضوا المسايرة في الغواية، فلعلهم عدّوها من خوارم الرجولة والانتماء لا تصدر عن عقل سويّ و قلب سليم أبداً، وليس لها عمل باقٍ في سجلّ الأعمال الباقيات، وليست بذات رسالة في الدنيا، وليست بذات فخار بل هي ضرورة بغيضة تعافها النّفس الكريمة؛ ولأنّ المسايرة في الغواية لا تسكن النّفس إلا ويطلّقها العقل ثلاثاً، ولا تحلّ بشخصيّة إلا وتنفِر منها الرّجولة نفورا، ولا تغشى عقلاً إلا وتكون دليلاً على انحرافه وتفكّك الثّقة به.
إنّ ما يرجّ النّفس رجّاً شديداً أن نعيش في القرن الحادي والعشرين وفي فاتحة المئويّة الثّانية من مسيرة أردنّنا ونردّد بيت ابن الصّمّة فعلاً وقولا ونبتعد عن أوبة إلى حقّ الرّشد لا تأخذنا دون ذلك عزة في الإثم ولا يمنعنا منه حياءٌ أو كِبرٌ أن نقرّ علانية بخطأ الوقوف مع العشيرة أو مجموعة فيهم في الغواية والتّردّي فيها.
إنّي من "غزيّة" في رشدها!