مع بدايات النصف الثاني من القرن الماضي طرأت العديد من التغيرات على حياة الفلاحين، فبدا بعضهم ينتقل من العمل في الزراعة الى العمل في الجهاز العسكري و بعضهم حصل على حد من التعليم اهّلّه للعمل كمدرس في قطاع التعليم او في الجهاز الحكومي. و رافق هذا التغير ايضا تغير في نمط الحياة، فانتقل الفلاح من بيت الحجر و الطين الى بيت الاسمنت و الحديد.
كانت محاولات الفلاح في بيته الجديد اذا ما رغب في ان يعلق صورة لعزيز فقده او شهادة دراسية لابنه على الجدار كانت تبوء بالفشل، فينكسر مسار الفولاذ و ينثني مسار الحديد. هل تعرفون لماذا؟.
المواد المطلوبة لبناء بيت الحجر و الطين الذي سكنه الفلاح لسنوات طويلة كانت من البيئة المحيطة، فالحجر و الطين و الخشب الذي كان يوضع في سقف البيت كلها متوفرة في ذات المكان، بينما مواد بيت الاسمنت و الحديد يجب ان يُدفع ثمنها. فالاسمنت و الحديد يشترى من السوق و الرمل يطحن في موقع البناء من الحجارة المتوفرة. بيت الاسمنت و الحديد كانت جدرانة اسمنتية قبل ظهور الطوب و تخلو من الاعمدة و يوضع في سقفها القليل من الحديد.
النقود لم تكن متوفرة بيد الفلاح لا من الفلاحة و لا من مداخيل المهن الجديدة (القطاع الحكومي)، و لذلك و لغايات تقليل كلف البناء الجديد كان البنّاء يعمل على اضافة حجر الصوان في جدران البيت الجديد. و عندما كان الفلاح يحاول ان يثبت مسمار في الجدار كانت محاولاته تفشل لاصطدام المسمار بحجر الصوان.
هذه البيوت على الرغم من بناءها من قبل بنّاء قليل الخبرة و بتقانات متواضعة و بكلف قليلة الا ان الكثير منها ما زال مسكونا و لم تعرف جدرانه الرطوبة و لم تخذل اسقفه ساكنيها بمطر السماء. و على النقيض من ذلك فان البناء الحكومي سواء كان مدرسة او طريقا او مستشفاً، و الذي يشرف على اعداد مخططاته و طرح عطاءاته و تنفيذه و استلامه مهندسون، فان الكثير منه يعاني من سوء التنفيذ قبل الاستلام و اذا ما تم استلامه سرعان ما تظهر العيوب فيه و شارع الستين في السلط ليس الا مثال على ذلك علما بان الامثلة على ذلك موجودة على طول الاردن العظيم و عرضه. و هنا لا اقلل من شان مؤسسات التعليم العالي التي تخرح منها المهندسون سواء كانت محلية او اجنبية.
الغش و سوء الامانة في مراحل التنفيذ المختلفة هي السبب ربما الوحيد وراء العيوب التي تظهر في البناء الحكومي. اقول لكل الذين تربحوا من الغش في العطاءات الحكومية، ستسالون يوم الدين عن اموالكم من اين اكتسبتموه.