غابت الاحزاب والنقابات والمجالس النيابية لصالح الشارع والذي يُحّلل اعتصامات المعلمين وعمال المياومة وعمال العقبة ، ومهندسي الاشغال ، وغيرهم يعرف ان الشارع يوصل رسالة حساسة ودقيقة مغزاها اننا لم نعد نثق بأي جسم تنظيمي اخر.
اللافت للانتباه اليوم هو ليس جرأة الاردني. فالاردني جريء تاريخيا والدولة لم تُحّطم هيبة الانسان ولم تكسر شوكته مثلما تفعل دول اخرى تجتاح الناس وكراماتهم وبيوتهم تحت عناوين مختلفة. اللافت للانتباه ان "الصبر الجميل"لم يعد متوفرا. اذا كان الاردنيون اليوم يعبرون بكل هذا الادب عن مواقفهم دون تكسير او تخريب او فوضى في اغلب الحالات فإن الرسالة تستحق الوقوف عندها مطولا ، لانها رسالة الشارع مباشرة الى الحكومات المتتالية حول حقوق الناس في ميادين شتى وحول ان الناس لم تعد تخاف من التعبير عن رأيها خصوصا ان"سؤال الولاء" لم يعد مطروحا فهو امتحان أجبنا عنه ألف مرة بذات الجواب.
تهميش الاحزاب والنقابات والنواب وعدم قيامهم بدورهم برغبة منهم او بتأثير من غيرهم سُيعيد انتاج الطاقة السياسية باتجاهات اخرى. مارأيناه نحن في الشارع امر لافت ومهم. واذا كنا ضد الفوضى فإن مضمون الاعتصامات يعبر عن روح الشارع الذي لديه رسالة يريد ان يوصلها. وقد اوصلها بكل ادب ولطف. في المقابل غابت المؤسسات التي تستوعب العمل الشعبي وتعبر عنه وتضغط باسمه عبر ادوات الضغط المتاحة تشريعيا. ومع ذلك غابت عشرات الشخصيات التي انتجتها مؤسسة البرلمان والاحزاب والنقابات عن الشارع في هذه القصص ومانكتشفه حقا ان غياب الاحزاب والنقابات والنواب لم يقف عند حدود المؤسسة بل امتد الى تأثيرات الافراد الشخصية على الشارع. اليوم لاتجد شخصية واحدة قادرة على الذهاب الى اي مسيرة واقناع قادتها بالتراجع. علينا ان نفكر مُطولا في دلالات المشهد وتأثيراته الحالية والمستقبلية.
اذا كنا لانريد للمواطن الاردني ان يذهب لاي تنظيم هنا او هناك فعلينا ان نفتح له الابواب الرسمية بالمقابل ، لانه لايُعقل ان يسد المسؤولون ابوابهم في وجه المواطن ، ثم نطلب منه ان يبقى عاقلا هادئا راشدا. اين هي الملاذات التي توفرها كيمياء العلاقة بين المواطن وكل الاطراف الاخرى ؟؟ واذا كنا نريد من المواطن ألايقع اسيرا في فخ اي تنظيم سري ، ولانريد ان نفتح له ابواب الوزراء والمسؤولين فإن علينا ان نترك الاحزاب والنقابات والنواب ، يتولون مهمة الربط بين الطرفين ، وحل كثير من المشاكل. بغير ذلك فإن الشارع سيتولى المهمة مباشرة. هنا مربط الفرس.
الشارع قرر على مايبدو ألا يركن على احد وفي اعتصاماته رسالة طلاق لكل الفعاليات التي كانت تنطق باسمه وهو طلاق له كُلفه الكبيرة لمن كان لديه بصيرة ، فقد عشنا حتى رأينا سقوط مئات القيادات في الاحزاب والنقابات والنواب الذين لم يعودوا يمونون على احد لصالح قيادات شعبية جديدة في كل مكان.
لنقف ولنفكر.
mtair@addustour.com.jo
الدستور