عمون - شعور عجيب ذاك الذي يختلج في صدري .. يتهلل وجهي ويرقص قلبي طربا حين يتراءى وجه أبي أمامي بعد أن خنقته الغربة ..زيارة خاطفة تنهشها الساعات سريعا ...ثم يُفتح باب (الكراج ) ويستقر أبي خلف المقود ليعود الى غياهب الغربة مجددا .
أرى العبرات تخنق عينيه والسيارة تمخر عباب الاسفلت في رحلة تسرق شيئا من عمره وصحته .. مسكين هذا المغترب يتحمل كما هائلا من الهموم والمشاكل والعقبات التي تنغص عليه كل شيء .. يحرم نفسه من أبسط الأشياء غالبا حتى يشبع من هم خلفه ولا تنتهي مآسيه عند هذا الحد بل وبمجرد الدخول الى حدود بلده تبدأ عملية (مص الدماء ) يبدأ بضخ أمواله بدءا من الحكومة مرورا بالأقارب والأسرة والأصدقاء انتهاء بأصحاب نظرية (المغترب يمتلك مال قارون).
لا بأس .. تعود المغترب أن يرسم البسمة على شفاه الجميع .. المهم أن يشعر بالحب أن يشعر بلمة أهله وأولاده أن يشعر بنسائم الوطن تدغدغ مشاعره حتى لو كانت قاسية ولاهبة.
ما أن تشرق شمس أيلول حتى يلملم المغترب حقائبه وروحه التي تبعثرت على طريق المشقة والتعب .. حيث الوحدة والتعب والارهاق.
يرحل أبي من جديد ودعاء أمي يُظله .. يعاود أبي الى منفاه الاختياري وعيني تتجنب لقاء عينه خشية أن تنهار سدود الدمع من مآقيها .. يُسافر أبي وضحكات أحفاده ترن في مخيلته .. لا مجال للتراجع والتأخر فالحدود والعمل والكفيل وأفواه الأسرة لا ترحم.
يبدأ اللقاء بعناق أبي الأول وينتهي في العناق الثاني.