يُطل علينا رمضان هذا العام ونحن لم نزل نعيش فوضى الثورات العربية البلهاء ، التي ما زالت مشتعلة بنيرانها في أكثر من بلد عربي وما خلفته لشعوبها من ويلات ونكبات ومصائب ونحن ننتظر بصبر وصول قطار الكرب والفرج إلى محطته الأخيرة في بلدان سئمت المعاناة والدمار والتشرد .
وبما أن رمضان بحد ذاته ( ثورة على النفس ) وهو التعبير الذي استعمله الأديب الكبير مصطفى صادق الرافعي صاحب كتاب (وحي القلم) في إحدى مقالاته المميزة ، والمُعَنْوَنة (شهرٌ للثورة... فلسفة الصيام) وبذلك .. فلا بد أن تتحقق فينا معاني الثورة لذواتنا أولاً قبل أن ننتظر تحقّق أهداف الثورات البلهاء التي جلبت الدمار لشعوبها وشردتهم في اصقاع الارض ومخيمات اللجوء .
رمضان ثورة على النزعة الاستعلائية داخل النفس البشرية ... لأنه بعبادة الصيام تتحقق معاني العبودية لله والافتقار والذلّة لكبريائه وعظمته، واستحالة الاستغناء عن فضله ورحمته ، وقيُّوميّته وتدبيره... فتتطامن النفس وتنكسر النزعة الاستعلائية التي تتجلى بالتمرُّد والتكبُّر والطغيان، وصدق الله العظيم: (إنّ الإنسانَ لَيَطغَى * أنْ رَآهُ استَغْنى ).
وكذلك فان رمضان ثورة على الشهوات... ففيه يتعوّد الإنسان على كبح جِماح شهواته والتحكُّم بهَيَجانها والارتقاء بالجانب الروحي الذي يُعطي للمؤمن الفَرَادة الإنسانية ، ويتدرّب على تسكين الغرائز الشهوانية لينجح في الإمساك بها والتحكُّم بمطالبها - وليس لكَبْتها - فتكون بهذه الإدارة الصارمة لها كما أرادها الله أن تكون سبباً لسعادة الإنسان وانتظام الحياة والعمران... وفي الحديث القدسي الصحيح يقول الله مبيّناً سبب اختصاص عبادة الصيام بأنها له سبحانه: «يترُكُ طعامَه وشرابَه وشهوتَه لأجلي» ما يُدل على هذا البُعد الرائع.
ورمضان ثورة على (الأنا)... إذ إن الإنسان من دون (تقوى الله) يعظُمُ عنده (حب الأنا) وتدور حياته واهتماماته وأحاديثه حولها: إعجاباً وزُهوّاً وافتخاراً واستئثاراً، فتَصيرُ ذاتُه محور حياته... ونفسُه مُرتَكز تفكيره... ويرفض من ينصحه... ولا يقبل انتقاد من ينتقده... شديد الإعجاب بنفسه... يقرِّب المعجبين به وممتدحيه... ويباعد منتقديه ولو لخيره وناصحيه! وإذا فهمنا مقاصد الصيام وأهدافَ العديد من العبادات في رمضان فسنجد أنها من أجل أن تربي فينا الإحسان والشعور بالآخرين والتألم لآلام المحرومين والجائعين, ومن أجل أن نثور على (الأنا) ونجاهد (حظوظ النفس) وما أروع تعبير (هضم النفس) في تراثنا التربوي، ونربي أنفسنا على التواضع وعلى الاهتمامات الكبرى وعلى الفرح للآخرين وقد قال صلى الله عليه وسلم لمن سأله عن أحب الأعمال إلى الله: «سرورٌ تدخله على قلب مسلم: تكشف عنه كُربة، أو تقضي عنه دَيْناً، أو تطرد عنه جوعاً...» وكلها من ميادين الإحسان إلى إخواننا المؤمنين في شهر رمضان... شهر الخير والبِرّ والإحسان.
وبعد... فهل تنتصر ثورة رمضان على الذات حتى يَعظُمَ رجاؤُنا بانتصار الحق في ميادين الحروب على الظالمين الذين أذلّوا شعوبهم ، والطواغيت الذين تحكَّموا بمقدَّرات بلادهم ونهبوها والمجرمين الذين عاثُوا فساداً في الأراض العربية المكلومة ؟!
واخيرا : اللهم انصرنا على ذواتنا وعجِّل خلاص اهلنا واسرانا في فلسطين من نِير الطواغيت ، وتقبّل صيامنا واستجب دعواتنا وارحم شهداءنا وفرِّج كروب أمتنا، أنت ربُّنا وأرحم بنا من أنفسنا.