عندما يتم تجاهل الأولويات
د.رحيل الغرايبة
05-01-2017 03:17 AM
نشرت جريدة الدستور الأردنية في عددها الصادر يوم أمس الأربعاء 4/1/2017م تقريراً حول «متحف الديسة» من إعداد الصحفية «نادية الخضيرات» ومما جاء في هذا التقرير أن كلفة المتحف الذي يبعد عن العقبة حوالي (60كم)، بلغت حوالي (2 مليون دينار)، ولكنه أصبح مرتعاً للإبل والمواشي في ظل حالة الإهمال والنسيان التي تزيد عن عشر سنوات، حيث تحولت ساحاته ومرافقه المختلفة إلى مكاره صحية ومجمع للنفايات، وقد تم توثيق المعلومات بالصور.
مشكلة متحف الديسة هي عرض لمرض وهي تمثل مظهراً من مظاهر إحدى أوجه المعضلة الأردنية القديمة الحديثة المتجددة، التي تعبر بوضوح عن قراءة تشخيصية لحالة المرض الذي تعاني منه فلسفة التنمية لدينا، وتكشف عن أهم أسرار حالة المرض الذي استبد بكثير من المؤسسات والرجالات والقيادات الصغيرة والكبيرة في بلدنا، ولم تتم المراجعة المطلوبة حتى هذه اللحظة بطريقة علمية جادة فضلاً عن المعالجة.
أول وجوه المعضلة يتمثل بعدم إدراك الأولويات بطريقة دقيقة، ومن ثم العجز عن إدراك ما ينبغي البدء به، ومن ثم ترتيب الخطوات خطوة خطوة وفق رؤية استراتيجية طويلة الأمد، حيث أن الأولوية الأولى لدينا ينبغي أن تكون (بناء الإنسان الأردني) أو إعادة بنائه ليكون قادراً على حمل أعباء التنمية، لأننا بفقدان الإنسان المتعلم الكفؤ سوف نفقد بشكل حتمي قيمة المشاريع الأخرى وتقديرها حق قدرها، وسوف نفقد إمكانية التعامل مع المقدرات والثروات الوطنية بطريقة صحيحة، وهذا يحتم علينا أن تكون جل مشاريع التنمية متوجهة نحو «الإنسان» أولاً وفي مجال تنمية الموارد البشرية، وأن تكون النسبة الكبرى من الموازنات المرصودة معدة لإصلاح العطب الذي لحق بالبناء الإنساني، وتقويم التشوه الذي لحق بالبناء الثقافي والفكري، فما فائدة بناء هذا المتحف بمليوني دينار، في ظل بيئة لا تدرك هذا المنجز وليست قادرة على التعامل معه أو الاستفادة منه أو القدرة على الاستثمار فيه بطريقة من طرق الاستثمار المختلفة.
ولو أن هذا المبلغ تم انفاقه في مشاريع تربوية وتعليمية لأبناء المنطقة، وفي مشاريع تدريبية على بعض المهارات العملية المطلوبة التي تخدم مجتمعاتهم المحلية، أو إيجاد مشاريع صغيرة للشباب مستوحاة من البيئة، لكان ذلك أكثر فائدة وأعظم جدوى لهم ولمنطقتهم ولمستقبل ابنائهم .
الوجه الثاني من المعضلة يظهر من خلال بعض مواصفات ومؤهلات القيادات وأصحاب مواقع المسؤولية في كثير من الوزارات والمؤسسات الوطنية؛ الذين يأتون إلى الأردن متخرجين من جامعات غربية أو شرقية، ويحمل بعض الأحلام الوردية المستوحاة من بيئات أخرى مختلفة عن بيئتنا من حيث الإنسان والثقافة ومستويات الدخل، ونوعية المشاكل، فيتم الذهاب إلى القيام ببعض المشاريع البعيدة عن الواقع وهمومه وحقيقة مشاكله بعد المشرق عن المغرب، ويبدو أن هذه المشاريع التي يتم بناؤها أحياناً لا يتم تقويمها ولا مراجعة آثارها بعد مرور عدة سنوات، وليس هناك محاسبة ولا إعادة نظر في الجدوى والأهداف المرسومة لهذه المشاريع وأشباهها.
الوجه الثالث من معضلتنا تتجلى في سرعة تغيير المسؤولين وسرعة تغيير الحكومات وتبدلها، بحيث يغيب التخطيط الاستراتيجي بعيد المدى والبرامج المتصلة به، بحيث تأتي الحكومة الجديدة ويأتي الطاقم الوزاري الجديد ولا يدري ما الذي تم تنفيذه على وجه التفصيل وما الذي بقي، وليس هناك على ما يبدو تسليم واستلام بطريقة مؤسسية سليمة، وربما لو تم سؤال كثير من المعنيين في الحكومة الحالية عن «متحف الديسة» وما هي أوضاعه وما هي خطته وأين ما يتعلق به من ملفات ومعلومات لما استطاع الإجابة.
الوجه الرابع من المعضلة يتجلى بتفشي الواسطات والمحسوبيات في التعيين والمتابعة والمحاسبة والنقل والترفيع في المواقع والمسؤوليات، مما ينشأ عن هذا المرض مجموعة كبيرة من الأمراض المتسلسلة التي تظهر في مثل هذه الظواهر، وهي كثيرة وعديدة تستعصي على الحصر.
«متحف الديسة « المهمل الحزين البائس الذي يعج بالقوارض والحيوانات الهائمة، يجب أن يشكل إنذاراً قوياً للحالة الإدارية بعمومها تخطيطاً وتنفيذاً ومتابعة، بل يجب أن يشكل شرارة لايقاد شعلة جديدة في وضع الاستراتيجيات والخطط وإعادة ترتيب الأولويات.
الدستور