نعم يستطيع شخص بالامس جاء من "فرجينيا" بـ "شُرت" و"تي شيرت" ان يتولى أعلى مناصب الدولة، فليس المهم أن يعرف أين تقع ذيبان او جلعاد او حسبان.. بل المهم أن يعرف يجمع ويطرح ويوزع النسب، ونعم تستطيع سيدة مجتمع لم يذهب صوتها يوما بعد زغرودة طويلة المدى، ولم تحنِ يديها يوما بتلقيط الزعتر او الحندقوق، ولم تقيف في حياتها "الفوتيك" لزوجها او ابنها.. برغم ذلك، تجدها تنظم المعارض هنا وهناك وتشرح لهم بلغات العالم عن "الصاج" الذي تخبز عليه جدتي، وعن "عود الحراث" الذي قصف عمر جدي، وعن "الفانوس" الذي أضاء عتمة الليالي ووجعها.. وفي نهاية المعرض يتم تكريمها من أعلى المستويات على جهودها القيمة في إظهار وجع الاردنيين ومعاناتهم علما أنها من خمسينيات القرن الماضي وهي تعرف "النسكافيه" في وقت لم نكن نعرف فيه حتى "السردين" !!
نعم هؤلاء ومن على شاكلتهم هم فقط أصحاب المبادرات الطيبة، وهم من أرعبوا العدو في باب الواد والكرامة، وهم أهل الافكار النيرة، وهؤلاء من جعل أجهزة الدولة تخلص لفضلهم الذي لن نجاريه !
.. بينما الصحافة الاردنية شاهدة عزنا ورفعتنا، وأرشيف وجعنا ونهضتنا، لا يتذكرها اليوم سوى جابي الضمان وشركة الكهرباء !!
في بلدي.. "اللولب" وحده عقد له ما يقارب الـ "1000″ مؤتمر وقد كاد يكون قضيتنا الوطنية الاولى، و"حقوق الجدي" عقد له ما يقارب الـ "2000″ مؤتمر بمشاركة كل منظمات حقوق الحيوان، بينما الصحافة الوطنية التي تحتضر منذ عام لم يعقد لها ولو "حفل تعارف" على مشاكلها وهمومها وتحدياتها !!
على امتداد الوجع الوطني.. ومنذ تأسيس الدولة ظلت الصحافة الاردنية حافظة للوعد والشراكة، وكانت وما زالت ذاكرة الاردن الحية في أنه بلد العطاء دون حساب، ولم تكن في يوم الا "البلسم" الذي يضمد جراحنا الوطنية.. فكيف ننساها اليوم ونتركها لبأس المصير وهي ما تركتكم يوما مرة بالنصح والارشاد ومرات كثيرة بالشكر والعرفان !
حاشا لله أن تستجديكم دعما "فاللولب" اولى بالدعم، ولكن، الى من سائل يسأل عن حالها وكيف يمكن أن نبقيها خط الدفاع الاول عن الاردن، ومصدر الخبر الصادق في هذا الفضاء الواسع، والمكان الآمن لوأد الاشاعة وحفظ الامن !
في نفسي أسأل.. الى أي مدى من الممكن أن يتحمل الشخص ثمن الحرف، وكيف يمكن لي أن أستمر بالكتابة وانا ارى ان لقمة عيشي على حساب لقمة غيري !!
نحن في "العرب اليوم" كحال الزملاء في الرأي والدستور.. نعذر مالكها ونتوجع معه.. فبحسابات الربح والخسارة مجنون من يستمر في الصدور.. بينما في حسابات الوطن هناك من لا يزال يضحي مثلما ضحى الكثير من أجل الاردن وترابه.
ألا تستحق كل الحروف والكلمات عبر كل تلك السنين التي حفظت الاردن وكرامته ان نجلس معا لعلنا جميعا نجد بارقة أمل تجعلنا نستمر في المسيرة.. أتمنى !! العرب اليوم