في العام 45 من القرن الماضي أعلن الرئيس السوفياتي (جوزيف ستالين) إنتهاء الحرب العالمية الثانية من إذاعة موسكو وبخطاب قصير جداً : (غداً سيلعب الأطفال في شوارع موسكو) يعني أن الحرب العالمية الثانية قد إنتهت ...
حقاً إن هذه الحرب الطاحنة والطويلة قد إنتهت لكن هناك ملايين من النساء اللواتي فقدن أزواجهن من لديها أطفال جمعتهم في حضنها كأم رؤوم ورعتهم خير رعاية .. أما الملايين الأخريات فقد أصبحن بلا رجال .. وبلا أطفال أيضاً ..
واحدة من هؤلاء النساء أسمها (ايڤا) توسلت جارتها أن (تُقرضها) زوجها لتتزوجه لمدة محدودة خمس سنوات على الأكثر وبعد أن تُنجب منه وتصبح أماً تعيده مع الشكر الجزيل إليها ليكون زوجها مجدداً ثم إنتشرت (فكرة) ايڤا في جميع أنحاء الإتحاد السوفيتي لتعويض الملايين الذين قضوا في الحرب ولقد مُنحت ايڤا صاحبة الفكرة هذه بطلة الإتحاد السوفيتي ...
نفس المشهد ولكن بعد نصف قرن وهذه المرة في العراق الدامي والذي إكتوى بنيران حروب عدوانية ومنذ العام 79 من القرن الماضي وحتى الآن ومستقبلاً نتج عنها إستشهاد عدة ملايين من الرجال وأفرزت قضية إنسانية شائكة ومؤلمة ...
الكاتبة العراقية (هدية حسين) تحدثت عن هذه القضية بلمسة شاعرية مُطعمة بحزن عميق في مجموعة قصصية بعنوان .. (حبيبتي كلوديا) وتضمنت أكثر من عشرين قصة قصيرة هي رحلة ضبابية نحو الماضي .. رحلة تعصف بالحنين إلى عراق هادئ جميل أمين وبريء .. على غلاف الكتاب لوحة لفتاة مُعذبة متألمة تسير برجل واحدة على طريق متربة بين الأعشاب والأخشاب توحي أن الطريق الذي تسلكه النساء العراقيات طريق صعب وشاق بعد أن فقدن رجالهن في الحرب سواء كان هذا الرجل زوجاً أو أباً أو ابناً أو أخاً أو صديقاً والرجل المفقودة في اللوحة ترمي إلى الرجال الضائعون بسبب الحرب ...
بإستعراض القصص تقدم الكاتبة نماذج نسائية عديدة واحدة غادرها حبيبها إلى الجبهة وهي بعد سنوات تعيش وحيدة على ذكراه وعلى ذكرى الحكايات والقصص التي كان يقولها لها .. لسان حالها كان يقول : أيا شجر الليل كيف إنتهينا وعدنا بلا نجمة أو صديق .. !!
في قصة أخرى حرصت الكاتبة على إبراز آلام المرأة العراقية خلال الحروب والمعاناة التي تحملتها .. الحديث جرى عن نساء واجهن الهجر والوحدة بعزم وثبات رغم بُعد رجالهن عنهن .. الحرب والمعاناة الناتجة عنها تطغى على كل شيء .. كم تبدو النساء العراقيات متألمات ومُعذبات .. مُجريات معظم القصص تناولت الذكريات ما قبل رحيل الحبيب والفراغ الباقي من بعده .. فيها نجد الألم الأنثوي والغضب العاجز لنساء بلا رجال .. !!