ما سمّاه الرئيس التونسي المنصف المرزوقي الكتاب الأسود، هو كشف يشتمل على وقائع وأسماء شخصيات للإعلام في عهد الرئيس السابق ابن علي قابل لأن يتكرر في أكثر من بلد عربي، فالكتب على ما يبدو أصبحت هي الأخرى أسيرة الثنائية الفكرية ذاتها، فهي بيضاء أو سوداء رغم أن أوسع هذه الكتب انتشاراً هو ما أسميه الكتاب الرمادي، الذي يراوح مؤلفوه على اختلاف مواقعهم وانتماءاتهم بين التبرير والانتقاء، والكتاب الرمادي هو إمساك للعصا من الوسط.. ومحاولة لإرضاء الله والقيصر معاً، ففي حقبة كهذه اختلطت فيها الأوراق والمفاهيم وحتى الفصول يصبح كل شيء قابلا للتبرير بقدر ما هو قابل للإدانة، لأن منظومة القيم والمعايير التي يتم الاحتكام اليها أصبحت بلا دلالات أو حدود، وهناك إعلام مُسيّس ومؤدلج سعى منذ عقود الى خلط حابل الوقائع بنابل التلفيق وهو الإعلام الذي يطلق عليه اسم الإعلام الداجن، أو إعلام السيرك الذي تتحول فيه الأسود إلى نعاج تثغو والفئران الى نمور.
إن فتح الباب على مصراعيه أمام الكتب البيض والسود، هو بمثابة تمهيد لتعميق الأزمات المحلية المتفاقمة، وحين تقدم قوائم سوداء بأسماء مثقفين وفنانين في أي بلد عربي، فإن هذا يعني بشكل مباشر أن القائمة الطويلة البيضاء تضم كل من تبقى.
خطورة هذا الفرز الحاسم تكمن بأنه يتجاهل الدولة، فليس كل من عمل في الدولة أثناء حكم رئيس ما أو نظام ما عدواً للتغيير، والرؤية الراديكالية التي تمارس هذا الفرز تتجاهل سايكولوجيا الشعوب والصورة التقليدية الموروثة لمفهوم الموظف.
ويبدو أن ما كان مرسوماً بقلم الرصاص أو الطباشير من تضاريس سياسية لمجتمعنا العربي اصبح الآن يرسم بالخنادق والأخاديد.
إن مسلسل الكتب السوداء والبيض إذا قدر له أن يستمر من شأنه أن يشغلنا عن أي شيء آخر، بحيث تتحول المراحل المسماة انتقالية الى مراحل انتقامية، ونستغرق جميعاً بتصفية الحسابات، كما أن التورط بهذه الثنائية يضاعف من عملية خطيرة تجرى الآن وهي استبدال الأعداء، وسيطرة ما هو إجرائي أو تكتيكي على ما هو استراتيجي ومستقبلي.
ما من ثورة في التاريخ أدانت شعباً أو أغلبية صامتة لأنها عملت في الدولة، وهنا ينبغي للمرة الألف أن نفرق بين الدولة والنظام، لأن الخلط بينهما أدى الى تفكيك دول ومؤسسات وانتهى الى فوضى أتت على الأخضر واليابس، وبالطبع من حق أي فرد أن يراجع الماضي القريب ويعيد النظر فيه، لأن هناك جرائم اقترفت ضد الأوطان والشعوب لا تدخل في باب العفو عما سلف أو العفو عند المقدرة، لكن الحكم بالجملة على شرائح اجتماعية ليس عادلاً والأجدر الآن هو مواصلة الانقتال لا ممارسة الانتقام!
(الدستور)