برهومة يكتب: الحراك الراشد والاعتصام أمام منازل المسؤولين
05-09-2012 11:30 PM
أنظر بريبة شديدة وبحذر إلى الاعتصامات التي تقرر إقامتها أمام منازل شخصيات سياسية يعدون في نظر منظمي تلك الاعتصامات "متورطين في قضايا فساد".
وقد جرى تنفيذ الاعتصام الأول أمام منزل مدير مكتب الملك، عماد الفاخوري، فيما يجري التخطيط لإقامة الاعتصام الثاني أمام منزل رئيس الوزراء الأسبق عبد الرؤوف الروابدة في عمان.
خطورة هذا الشكل من الاحتجاج أنه لا يستند إلى وقائع ملموسة لتوجيه اتهامات للفاخوري أوالروابدة، وغيرهما، فالحراك الذي يتصدى لمثل هذا الشكل الاحتجاجي ليس مؤهلا للحكم على تورط هذا المسؤول أو ذاك في قضايا فساد، بمعنى أن القضاء هو وحده القادر على تحديد من هو الفاسد ومن هو البريء، وليس أي جهة أخرى.
لقد اندلعت الاحتجاجات في الأردن في مطلع الربيع العربي- بل وسبقته من خلال هبة ذيبان – تحت شعارات سياسية واضحة، وكان هناك ما يشبه برنامج العمل الأولي للقوى السياسية التي خاضت الحراك الأردني منذ بداياته.
بيْد أن هذا الحراك، أو بعض أطرافه، أخذ ينحرف شيئا فشيئا باتجاه اغتيال الشخصية والسباب والشتائم والاتهامات التي لا يوجد لها سند حقيقي، أو لا تتوفر لها الإثباتات الدامغة.
تحقيق السلطة الشعبية لا يمكن أن يتم بهذا الشكل الانتقائي الذي تحركه دوافع تغلب عليها الكيدية والانتقامية، وتشويه سمعة بعض المسؤولين الذين لا أستطيع أن أتهم أي واحد منهم بالفساد، ما لم يصدر هذا الاتهام عن المحكمة. فهل قضت المحكمة بفساد الفاخوري والروابدة، حتى أذهب وأشارك المحتجين في تظاهراتهم، وأرفع عقيرتي في المطالبة بمحاكمتهم، وزجهم في غياهب السجون؟!
الحراك الشعبي يجب أن يكون راشدا ومتعقلا حتى يستطيع أن يحافظ على مهابته في صفوف الأردنيين، أما أن يتم ركوب موجاته تنفيذا لمآرب غامضة وضيقة، فهذا ليس حراكا، ولا يعبر عن أصالة المطالب الشعبية التي اعتصمت بحكم الدستور، وانحازت منذ البداية إلى القضاء، ولم تشكك في نزاهته. فلماذا الآن نقلب ظهر المجنّ للقضاء، ونريد أن نحاكم بأنفسنا من نزعم أنهم فاسدون، مع أن القضاء لم يأت على مساءلتهم أو محاكمتهم.
أقول هذا الكلام، وأنا ما أزال منذ اليوم الأول للهبة الأردنية المجيدة في قلب الحراك، ولن أتراجع عن المبادئ السامية التي خرج من أجلها الأردنيون. أما الشتائم التي تطلق على عواهنها، وأما الاتهامات التي تتساقط على رؤوس الناس والمواطنين والمسؤولين، فهذه لا تمتّ إلى أصالة الحراك ورسالته، بل إنها تأكل من رصيده، وتجعل الناس ينفضّون من حوله، وينظرون إليه بعين الريبة والحذر.
البيوت لها حرماتها، ومن الخطورة تهديد هذه الحرمات، والمسّ بكرامتها، وترويع السكان الآمنين وأطفال المسؤولين لمجرد رغبة كامنة في نفوس البعض بملاحقة المشتبه بتورطهم في قضايا فساد.
أعلم أن محاكمة الفساد والفاسدين قد تعطلت في ظل حكومة فايز الطراونة، وأعلم أن بعض قضايا الفساد، كانت انتقائية، وبعضها كان أشبه بمسرحية من أجل إخماد الجذوة الشعبية المطالبة باستئصال شأفة الفساد من جذوره، لكنني أعلم أنه ليس هكذا تورد الإبل.
بالإمكان إقامة محاكمات شعبية للفساد، من خلال التعاون مع قضاة ومحامين وناشطين مختصين، وتقديم الذرائع للمحكمة التي لها القول الفصل، أما أن يتجمع عشرون شخصا أمام منزل مسؤول أو مواطن، فهذا أمر غير مقبول، ولا أرى له أي صلة بالحراك الشعبي الذي انطلق من قواعد توافقية أصيلة، ويتعين أن يبقى محافظا عليها.