تشدني الذاكرة, الى منتصف السبعينيات, وتأخذني من ياقة قميصي, الى منتصف اربد القديمة, وتحديدا في محيط شارع السينما, الذي انسحب عليه هذا الأسم منذ اواخر الخمسينيات, حين تأسست سينما "زهران" لتدخل المدينة مرحلة الوعي المبكر, في الثقافة والفن, و"السينما".
بالرجوع الى الذاكرة افقيا, وتقليب صفحات من الماضي كانت افلام سينما "زهران" محترمة: الارض, لمحمود المليجي, والكرنك فيلم سياسي بامتياز, والرصاصة ما تزال في جيبي لمحمود ياسين وافلام كانت تعزز الوعي السياسي والثقافي والمعرفي في وجداننا, وتؤسس لثقافة ثقافية وفنية وسياسية محترمة.. اذكر انني وأقراني من الفئة العمرية, في منتهى الاناقة والبساطة, وكنا نقلم اظافرنا كلما دعت الحاجة, ونضع منديلا ابيض في جيوبنا, وكان شعرنا يلمع مثل ورق الصفصاف في الربيع, بفضل "بريل كريم" في الحنجور الاحمر!!
غير ان الذاكرة, بكل تجلياتها ونرجسيتها, استنهضت من مخزونها ورصيدها, تلك المساحة الزمنية القصيرة التي كانت تفصل ما بين الفيلمين, لاعتبارات كثيرة منها: شراء السندويش لمن يرغب, او شراء "آرسي كولا ", وربما مكسرات قليلة اذا تبقى رصيد من مصروف الجيبة, لنعود الى مقاعدنا قبل اطفاء الانوار.!
في الفيلم الاول (العربي), كنا نتفاعل بشكل منقطع النظير, ونعيش القصة, والحبكة, ونرسم التوقعات النهائية لفيلم عربي يستنهض فينا المخبوء السياسي, وايضا الجوع الديمقراطي, وحكايات من هذا القبيل, تعمل على انعاشنا نفسيا وروحيا, وتساهم الى حد كبير بصقل شخصيتنا بحكم اننا من "المراهقين", وان شخصيتنا وفق سيكولوجيا البشر هي قيد التكوين.
ونعترف, بملء الفم والوجدان ان تلك الافلام كانت نواة تشكيل شخصيتنا, بكل تبعات المشاهد التي تنم عن قصص سينمائية تحترم الاخر, وتثقفه كونها جزءا من مهمة اعلامية باسلوب فريد.
اتذكر أصدقاء, كنا نرسم الحلم في صبانا على شباك تذاكر السينما, وفي بهوها الخارجي, لالقاء نظرة على صور الفوتوغرافيا التي تجسد الفيلم.. (ابراهيم) واحد من الاصدقاء, يعيش منذ ربع قرن في امريكا ويحمل جنسيتها. (عوني) صديق آخر يعمل في البنتاجون الامريكي, ويحمل الجواز الامريكي احمر اللون. (ربيع) استاذ جامعي في الجامعات السعودية.. (جمال ) ويحمل رتبة في الجمارك. (سالم) ويعمل في مجال الديكور والتصميم.. (احمد) يعاني منذ سنوات من مرض في القلب بسبب كثرة شربه "للمنكر" !!ثمة أصدقاء أخر, ازاحت الذاكرة الستارة عنهم لتعيدهم الى الواجهة..حدث هذا وانا اتمشى في شارع السينما وقت العصر, رغم انه لم يكن لي شغل في السوق "بس أجيت أشوفك" على رأي المطرب الهام المدفعي.
الغريب, ان الفيلم الثاني (الأجنبي) كان يثير فضولنا كثيرا وخاصة اذا كان فيه واحد من الممثلين :"تشارلز برينسون, او جون ترافولتا ", كنا على استعداد ان ننظر ساعة ونصف اضافية لمشاهدة الفيلم.
استراحة ما بين الفيلمين: ثمة ربط بين حكومتين, لم تختلفا ابدا في النهج وابعاد الاصلاح.. يبدو اننا سنشاهد نفس الفيلم!!.
adnan.nassar@alarabalyawm.net
(الرأي)